هل تعود أوروبة لاستقلالها؟
2
بدأ تصدع الجبهة المعادية للحكومة الفلسطينية، وبدأ الحلف الأوروبي الأمريكي الصهيوني في التفكك بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وتعيين وزراء الخارجية والداخلية والمالية من المستقلين لإزاحة ذريعة مقاطعة حماس، وأصبح موقف الرباعية أكثر تفهما لحاجات الشعب الفلسطيني وتطلعاته لحياة كريمة، وبدأت البلاد الشمالية وفي مقدمتها النرويج بكسر هذا الحصار بالتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية؛ فالسلطة الوطنية وليدة أوسلو. وكانت روسية من قبل قد كسرت الحصار بالتعامل مع حماس، وهي الصديق التقليدي لحركات التحرر الوطني في العالم الثالث.
فكيف تسترد أوروبة استقلالها عن الولايات المتحدة الأمريكية، وتستعيد ثقتها بنفسها، وتسترد قيادتها التقليدية للعالم قبل بزوغ نجم الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية، ووراثة أوروبة في السيطرة على مستعمراتها، بل واحتلال أوروبة نفسها بزرع القواعد العسكرية في ربوعها خاصة في ألمانية؟ كيف يعود إلى أوروبة وعيها المفقود باستقلالها الذي طالما دافعت عنه في فلسفاتها منذ ديكارت وكانط وفشته وباور وهوسرل وبرجسون، خاصة في ألمانية، وهي التي تتبع في سياستها الخارجية الانحياز إلى الولايات المتحدة؟
لقد سببت سياسة انحياز أوروبة إلى الولايات المتحدة خسارة كبيرة لأوروبة وأمريكة ولباقي شعوب العالم؛ فقد زادت كراهية العالم الثالث لأوروبة بعد انضمام بعض دولها، خاصة بريطانية، إلى قوات الغزو الأمريكي للعراق وأفغانستان، وبعد أن ظنت أن حركات التحرر الوطني قد نجحت في الحصول على الاستقلال، وتأسيس الدول الوطنية المستقلة.
عادت أوروبة إلى إرثها الاستعماري بتحالفها مع الولايات المتحدة، بعد أن ظنت الشعوب المستعمرة أنها تخلت عنه بعد هزيمة فرنسة في فيتنام والجزائر، وانسحاب باقي القوات البريطانية والبرتغالية والإسبانية والهولندية والإيطالية من المستعمرات خارج حدودها. كما جعلت شعوب العالم الثالث تكره الغرب، ثقافة وحضارة ومدنية ومثلا وقيما وتراثا. ووحدت بين أوروبة الحضارية وأوروبة الاستعمارية الجديدة. وعادت التنوير الأوروبي، ومبادئ الثورة الفرنسية؛ الحرية والإخاء والمساواة، والذي طالما كان نموذجا لفجر النهضة العربية في القرن التاسع عشر، سواء في الإصلاح الديني عند الأفغاني، أو في الفكر الليبرالي عند الطهطاوي، أو في التيار العلمي العلماني عند شبلي شميل. ووقفت أوروبة عاجزة عن الدفاع عن إرثها التقليدي ومناطق نفوذها في أفريقية وآسيا وأمريكة اللاتينية. وتنازلت عنه طواعية للقوة الأمريكية الجديدة الصاعدة. وهي بتحالفها معها الآن تريد أن تسترد بعضا من عنفوانها الإمبراطوري التقليدي منذ غزوها للهند والقضاء على إمبراطورية المغول. تلحق بذيل الولايات المتحدة بعد أن كانت في مقدمتها.
لم تستطع أوروبة كبح جماح المحافظين الجدد الطامحين لإنشاء الإمبراطورية الأمريكية الجديدة كوعد إلهي بإعطائها العالم كله، تجاوزا للوعد الإلهي الذي يعطي إسرائيل ليس فقط فلسطين بل أيضا إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات. لم تستطع أوروبة ممثلة في أنظمتها السياسية، وليست في شعوبها، تحسين صورة الغرب الأمريكي، وهي تشارك معه جغرافيا في اسم الغرب، وأمريكة تحارب الحركات الدينية في كل مكان بدعوى الإرهاب والعنف وكراهية الولايات المتحدة .
متى تسترد أوروبة استقلالها الدفاعي، وتطالب بتفكيك القواعد العسكرية الأمريكية من على أراضيها وسجونها السرية للمخطوفين السياسيين بدعوى القضاء على الإرهاب ومحاكمة الإرهابيين، كما هو الحال في سجون غوانتامو وأبي غريب؟ لقد انتهى الخطر الأحمر وراء الستار الحديدي الذي من أجله أقيمت هذه القواعد وحلف شمال الأطلنطي بانتهاء الحرب الباردة، وسقوط الأنظمة الاشتراكية، واستتباب الأمر لعالم ذي قطب واحد، وعولمة جعلت العالم كله سوقا لمجموعة الدول الثمانية التي لا يستطيع أن ينافسها أحد؛ مما أدى إلى احتكار معظم الإنتاج الصناعي الثقيل في العالم.