ونتيجة لإبعاد الدين عن السياسة والثقافة في رمضان، يبتعد الدين عن الحياة، ويتحول إلى عبادات وشعائر ورسوم، وينزوي في ركن خاص؛ الطعام والشراب؛ فيغترب الناس عن العالم، ويخلق الدين لهم عالما وهميا بديلا؛ فمن الناس من لم ينالوا من رمضان إلا الجوع والعطش. الدين المعاملة، ويغيب الوعي بالمجتمع وبالعالم.
وبعد رمضان يعود الناس إلى همومهم اليومية كما كانوا قبل رمضان؛ ففيه نسيت الهموم، وكبرت الكروش، وزاد الاستهلاك. وبمزيد من الصلاة، وإقامة السنن مع الفرائض، والحرص على صلاة التراويح وختم القرآن، يتطهر المواطن، ويخرج من رمضان خاليا من الذنوب كما ولدته أمه، والاستعدادات على أشدها لضرب سورية وإيران وحزب الله.
وعلى هذا النحو يتحول الدين إلى كهنوت، ويصبح دين المناسبات والأفراح والأعياد والجوائز والمكافآت في الأرض لتحفيظ القرآن، وفي السماء جزءا للوعد. مع أن الإسلام نشأ ضد الكهنوت اليهودي وسيطرة الأحبار، وضد الكهنوت المسيحي الذي أصبح واسطة بين العبد والرب. وارتبط تقدم الغرب بالثورة على رجال الدين والكنيسة من أجل العودة إلى العالم بلا سلطة دينية، واكتشاف قوانين الطبيعة دون اللجوء إلى الكتاب المقدس، وإعمال العقل دون استبدال الإيمان به.
ونحن نزيد على رجال الدين رجال الأعمال ورجال الدولة ورجال الحزب الحاكم؛ حتى يتأصل الكهنوت الديني في الكهنوت الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
إن استبدال صفحات الفكر الديني بصفحات الثقافة والسياسة في رمضان جريمة لا تغتفر في حق الدين والثقافة والسياسة؛ فالدين ليس عالما منفصلا عن الحياة، خاصة ونحن نعاني من الحركات السلفية التي تجعل الدين غاية في ذاته، وجريمة في حق الثقافة؛ فالعقل أساس النقل، والنظر أساس الإيمان، والاستدلال طريق التصديق. وجريمة في حق السياسة؛ فالإسلام عمل والتزام، ومن لم يهتم بشئون المسلمين فليس منهم، حتى لو اتسعت عمامته، وطالت ذقنه، واسود قفطانه.
الخليج بين إيران ومصر
8
عاش العرب طموحات الوحدة منذ الحرب العالمية الأولى، وبلغت ذروتها في الخمسينيات والستينيات إبان حركات التحرر الوطني والحقبة الناصرية، وقامت تجارب عديدة بعد إنشاء جامعة الدول العربية كمنظمة إقليمية للدول، جمهورية مصر العربية المتحدة 1958-1961م، ثم الوحدة الرباعية بين مصر والعراق والأردن واليمن. وبعد حربي الخليج الأولى والثانية انفك العقد، واستبدل بذلك كله لجان التنسيق بين كل دولتين جارتين، مصر وليبيا، مصر والسودان، مصر والأردن، أو جارتين عربيتين بينهما تواصل تاريخي وثقافي واقتصادي بصرف النظر عن التواصل الجغرافي مثل مصر وتونس، مصر والجزائر، مصر والمغرب.
ومن أنجح تجارب طموحات الوحدة، تجربة مجلس التعاون الخليجي بفضل التواصل الجغرافي والتاريخي والثقافي واللغوي، وبمبادرة من قادة دول الخليج، وبنوع من الاستمرارية والتدرج، وفي عصر التجمعات الإقليمية والتكتلات الكبرى. لا حدود بين دولها، ولا تأشيرات دخول، ولا مواطنة مجزئة. والعملة الموحدة في الطريق، وأخيرا تم إنشاء السوق الخليجية المشتركة.
فالاقتصاد عصب السياسة كرد فعل على التجارب الوحدوية الأولى التي كانت سياسة بلا اقتصاد، ودولا بلا شعوب، ونظما سياسية متباينة دون رؤية قومية واحدة. ورءوس الأموال متوافرة من زيادة عوائد النفط المتتالية منذ حرب أكتوبر 1973م، والتي بلغت أكثر من ثلاثين ضعفا، ومرشحة للازدياد إلى ستين ضعفا في السنوات القادمة، خاصة إذا اندلعت الحرب لأي سبب في المنطقة بسبب عدوان إسرائيلي أمريكي على إيران بحجة تخصيب اليورانيوم، وإمكانية تحويله إلى أسلحة نووية، أو من طامع في عوائده وأصوله في الآبار حتى لا تبقى للعرب قوة عسكرية بعد تدمير العراق، أو اقتصادية بعد تغيير موازين القوى في الخليج. وإذا كان العرب قد أضاعوا الثورة فما زال الأمل موجودا في عدم ضياع الثروة، واستثمار عوائد النفط المتراكمة في التنمية الشاملة للوطن العربي الذي يمتلك المال والأرض والمياه والعمالة والخبرة الكافية؛ كي يتحولوا من دول نامية إلى دول متقدمة. وتجارب ماليزيا وأندونيسية وسنغافورة وكوريا الجنوبية وتايوان وإيران وتركية خير شاهد على ذلك.