تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض (البقرة: 251).

الوعظ من أخطر أنواع الخطاب الديني على حياة الناس. يساهم في الاغتراب عن العالم، والخروج خارجه، والوقوع في دائرة الوهم، خاصة لو كان الموضوع المعاد والأخرويات، وما يحدث للإنسان بعد الموت، ابتداء من عذاب القبر ونعيمه حتى عذاب النار ونعيم الجنة، مرورا بالحشر والصراط والميزان والحوض والشفاعة. يساهم الوعظ في تزييف الوعي، ويقوم بنفس الدور الذي يقوم به الخطاب السياسي للحزب الحاكم في إعطاء الوعود والإيهام بالحلول. يوهم الوعظ بأن المشكلة في النفس وليست في الواقع، في تربية المواطن وليست في الأوضاع الاجتماعية، في الأخلاق وليست في السياسة. والحل في الكلام وليس في الفعل، في الفرد وليس في المجتمع، في الإعلام وليس في الشارع، بكثرة الدعاة والوعاظ وليس بالطلائع الثورية للعمال والفلاحين والمثقفين. هناك فرق بين التخدير واليقظة، بين المسرح والحياة، بين الجلوس أمام الشاشة الضوئية والمشاركة في إضراب العمال في المصانع، بين الرضا عن النفس والغضب من الزمان. (قدر أحمق الخطى سحقت قامتي خطاه.)

الفتنة بين السلفيين والعلمانيين

5

وهل يحتاج الوطن العربي إلى فتنة جديدة تزيده تقسيما وتفتيتا وتجزئة؟ وكيف يتم ذلك بأيدينا وليس بأيد أجنبية؛ أمريكية صهيونية؟ وفي نفس الوقت نقرأ تاريخنا ونعيب على أنفسنا وقوعنا في الفتنة الكبرى الأولى بين علي ومعاوية، وننعى لأنفسنا ضياع الأندلس للحروب بين ملوك الطوائف وسقوط الإمبراطورية العثمانية للفتنة العرقية فيها بين الأتراك والأرمن والعرب ومختلف القوميات في أوروبة الشرقية.

إن الخصومة الدائرة الآن بين السلفيين والعلمانيين إنما تساهم في تفتيت الأوطان من الداخل، وهي في أشد الحاجة إلى التمسك بالوحدة ضد مخاطر التفتيت من الخارج، والوقوف أمام المخطط الأمريكي الصهيوني لتفتيت الأوطان بداية بالعراق، وكما قرر الكونجرس الأمريكي بجلسته أخيرا إلى مناطق ثلاث؛ كردية في الشمال، وسنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. والصراع بين عشائر وقاعدة، وليس بين المقاومة والاحتلال. وهو ما يجري الحال الآن بالنسبة إلى السودان وتقسيمه إلى شمال عربي إسلامي، وجنوب زنجي مسيحي، وغرب عرقي، وشرق قبلي. والخطر ما زال قائما على الخليج كله، وتقسيمه طائفيا ومذهبيا إلى سنة وشيعة، أو عرقيا بين عرب وآسيويين، والأمم المتحدة بالمرصاد تتلقى توجيهات الدول الكبرى باسم حقوق الإنسان وحقوق الأقليات. والخطر يهدد المغرب العربي كله وتقسيمه إلى عرب وبربر، والمغرب إلى مغاربة وصحراويين، وتشاد ومالي ونيجيريا إلى شمال عربي مسلم وجنوب زنجي مسيحي. بل ويهدد شبه الجزيرة العربية كلها إلى نجديين في الوسط، وحجازيين في الغرب، ورافضة وسنة في عمان، وزيدية وشوافع في اليمن. ويهدد التقسيم لبنان إلى مسلمين وموارنة كما حدث في الحرب الأهلية، أو إلى موالاة ومعارضة كما يحدث الآن. والخطر يهدد الأردن وتقسيمه إلى بدو وحضر. ويهدد سورية بتقسيمها إلى علويين في الحكم، وسنة في المعارضة. وقد تقع حروب أهلية بين السلفيين والعلمانيين لتهدد وحدة الأوطان كما يحدث في الجزائر دائما، وفي المغرب أحيانا. وقد يقع الشقاق بين السلفيين والإصلاحيين كما يحدث في الكويت. وهو ما يهدد الأمن القومي في مصر في الفتنة النائمة بين المسلمين والأقباط، بالرغم من ادعاءات الوحدة الوطنية، ومظاهرها المفتعلة، وقضايا التنصير والطلاق والزواج المشترك، والسلوك المعيب لبعض الرهبان، والفتاوى الرنانة لبعض المشايخ بالنسبة لإرضاع الكبار، أو التبرك ببول الرسول، أو التوتر داخل الحزب الحاكم بين الرعيل الأول والرعيل الثاني، أو بين الحكومة والمعارضة على كل المستويات، الحكم والتوريث والخصخصة والفساد، وآخرها حبس رؤساء تحرير الصحف المستقلة.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٥٧