توهم الإنسان أن العالم بين يديه، وقد يكون للعالم قوانينه الخاصة التي تتفاعل معها الإرادات البشرية وحريات الاختيار؛ فلم تستطع كل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية والأقمار الصناعية والتقاط الصور عن تحركات الجنود على ضفاف القناة ومحطات الإنذار المبكر، أن تتنبأ باندلاع حرب السادس من أكتوبر الساعة الثانية إلا خمس دقائق. واستطاع الفيتناميون بأدوات النضال التقليدية، الأنفاق تحت الأرض للجرذان البشرية، والاختباء بغصون الأشجار والصواريخ القصيرة المدى مثل سام 6 إسقاط أكبر الطائرات العسكرية الأمريكية إف 16، والانتصار على أعتى الجيوش عدة وعتادا. واستطاعت المقاومة الجزائرية الانتصار على الجيش الفرنسي، ومن ورائه حلف شمال الأطلنطي .
وتفعل الآن المقاومة الفلسطينية والمقاومة العراقية والمقاومة الأفغانية نفس الشيء مع قوات الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين، والأمريكي في العراق وأفغانستان.
لا يقوم مجتمع المعرفة إلا في مجتمع مستقر استطاع إشباع حاجاته الرئيسية؛ الطعام ضد الجوع، والمياه النظيفة للشرب وليس المياه الآسنة الملوثة من البرك والمستنقعات، والإسكان ضد العراء والمخيمات والكهوف، واللباس ضد العري، والصرف الصحي ضد المجاري الطافحة، ونزع المخلفات الآدمية بالعربات من الأحياء الفقيرة، والعمل ضد البطالة، والتعليم ضد الجهل، والصحة ضد المرض، ورفع مستوى المعيشة فوق حد الفقر. دون إشباع هذه الحاجات الأساسية للإنسان لا يمكن أن يطالب بمجتمع المعرفة.
وإذا لبت بعض المجتمعات النامية بعض هذه المطالب، ولكنها تعيش في مجتمع القهر والفقر في الداخل، والتبعية للخارج، يكون مطلب الحرية والاستقلال والعدالة سابقا على مطلب مجتمع المعرفة؛ فالحرية مطلب أول للإنسان. الحرية تعبير عن الوجود، في حين أن المعرفة مطلب ذهني، والذهن أحد جوانب الوجود. حرية التعبير عن الرأي، واحترام الرأي الآخر، والتعددية السياسية، والكرامة الوطنية، والاستقلال الوطني، والإحساس بالرضا، والشعور بالولاء للأوطان، وبتعبير النظام السياسي عن اختيار المواطنين الحر، كل ذلك سابق على مجتمع المعرفة.
وتقوم المعرفة على العلم، ويقوم العلم على إعمال العقل. ويبدأ إعمال العقل بنقد كل مظاهر الجهل والخرافة والسحر والتحرر من سلطة القدماء قبل أن يبدأ بتأسيس العلم؛ فالعقل النقدي سابق على العقل العلمي. وفي المجتمعات التقليدية ما زالت السلطة هي التي تسود؛ سلطة النقل، وسلطة القدماء، وسلطة التقاليد، وسلطة رجال الدين والسياسة؛ فكيف يتأسس مجتمع المعرفة في مجتمع العقل فيه ليس سلطة، ولا يقوم بوظيفة النقد؟ الدعوة إلى إقامة مجتمع للمعرفة في المجتمعات التقليدية هو استبدال سلطة بسلطة؛ سلطة الجديد بسلطة القديم، سلطة المحدثين بسلطة القدماء، تقليد بتقليد، وإيمان بإيمان.
لا ينشأ مجتمع المعرفة إلا بعد استنفاد كل إمكانيات العلم التقليدي عن طريق التدوين والكتب والمعارف المتاحة بأشكالها التقليدية؛ فالأمي الذي أصبح متعلما يقرأ قبل أن يضغط على الأزرار، ويفك الخط قبل أن يفك الشفرة. وفي الجامعات الحديثة في المجتمعات التقليدية ربما يحتاج الطلاب إلى المكتبة المفتوحة التي يأخذ الطالب الكتاب منها بيده من على الرف ويطلع عليها قصدا أو عن غير قصد؛ فإذا ما تراكمت المعلومات، ووصلت إلى حد يصعب السيطرة عليها، هنا تبدأ الحاجة إلى تنظيمها وفهرستها وتحويلها إلى ذاكرة يسهل استدعاؤها، والتحول من العبارة إلى الكلمة، ومن الكلمة إلى الحرف، ومن الحرف إلى الرمز، ومن الرمز إلى الرقم.
وقد انعكس ذلك كله على مناهج التعليم العامي والبحث العلمي في الجامعات؛ فإدخال أجهزة المعلومات في المدارس العامة لا يعني أن التعليم قد تم تغييره؛ إذ يحل الجهاز محل الأستاذ، نقلا بنقل، وسلطة بسلطة، ويلحق الطلاب ببحوثهم قوائم المراجع والمصادر من أجهزة المعلومات لم يقرأها الطالب أو يطلع عليها، بل قرأ ملخصاتها.