تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هنا يدرك الرؤساء أن هناك حدودا لسلطاتهم المطلقة، وأنهم لا يعيشون في دول خاوية من الشعب والمؤسسات، وأن الأوطان كيانات مستقلة عن النظم السياسية. قد يتحول الرئيس إلى أسد جريح عندما يدرك حدود سلطته، فيفقد أعصابه، وتطيش ضرباته، فيضع كل معارضيه في السجون كما فعل رئيس الجمهورية الثانية في مذبحة سبتمبر 1981م، أو تقديم سبعة من رؤساء صحف المعارضة أمام المحاكم العسكرية كما يفعل الآن رئيس الجمهورية الثالثة؛ فنتج عن الأول حادث المنصة، ولا ندري ماذا ينتج عن الحدث الثاني.

وقد يدرك الرؤساء حدود سلطاتهم بعد فوات الأوان بالموت الفجائي

إنك ميت وإنهم ميتون (الزمر: 30)، أو بما لا يمكن التنبؤ به في الواقع؛ فالعنف قادر على اختراق سياج الأمن مثل حادث المنصة في 6 أكتوبر 1981م، أو دس السم لرئيس يراد أعداؤه التخلص منه كما حدث لرئيس السلطة الوطنية الفلسطينية، أو وقوع طائرته كما حدث لجون جارانج رئيس جبهة تحرير السودان.

إن السلطة المطلقة مفسدة مطلقة ضد طبائع الأشياء؛ فالعالم متعدد القوى. بقاؤه في توازنها حتى لا يميل الميزان، وهو ما تثبته تجارب التاريخ ونهاية نظم الطغاة عند اليونان والرومان، وفي الغرب الحديث بإعدامهم في المقصلة. وهكذا كان مصير الفراعنة

ما علمت لكم من إله غيري (القصص: 38)،

وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين (يونس: 83)، وكما عبر عن ذلك حافظ إبراهيم في مصر تتحدث عن نفسها:

كم بغت دولة علي وجارت

ثم زالت وتلك عقبى التعدي

ولذلك رفعت الثورة الإسلامية في إيران شعار «الله أكبر قاصم الجبارين»، لا يبقى الطغاة حتى ولو كثرت أموالهم وأولادهم

كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا (التوبة: 69)، تلك سنة التاريخ

أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة (القصص: 78)، فلا يبقى الطغاة

أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (غافر: 82)، فلا عصي الأمن المركزي ولا القوانين المقيدة للحريات قادرة على استمرار الطغيان. لقد استكبرت عاد وثمود

فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون (فصلت: 15)؛ لذلك وصف بعض المؤرخين مصر بسبب النظام الفرعوني السائد فيها بأنها «أرض الطغيان والنفاق».

حدود الأيديولوجيات وقوة الفقراء

كانت الأيديولوجيات دائما العنصر المحرك للثورة، سواء في المجتمعات الغربية والشرقية على حد سواء مثل الثورة الفرنسية ضد الملكية والإقطاع، والثورة الإسلامية في إيران ضد القهر في الداخل والتبعية في الخارج، والثورة الاشتراكية 1917م ضد القيصر والإقطاع، والثورة الأمريكية ضد الاحتلال البريطاني من أجل الحرية والاستقلال، والمسيرة الطويلة في الصين للفلاحين ضد الإقطاع. وتتداخل فيها عناصر السياسة والاقتصاد، القهر والفقر، دفاعا عن الحرية والمساواة.

وحدث نفس الشيء في تاريخ العرب الحديث. كانت الثورات الأيديولوجية أمرا طبيعيا؛ فالأحزاب السياسية التي تكونت منذ فجر النهضة العربية أحزاب أيديولوجية تمثل ممارسات عملية لتيارات فكرية؛ فالرأسمالية كنظام اقتصادي تقوم على الليبرالية كنظام سياسي؛ فإذا ما قامت الرأسمالية دون قيمها فإنها تتحول إلى نهب وسلب وفساد واحتكار واستغلال وتهريب رءوس الأموال إلى الخارج. والاشتراكية كنظام اشتراكي تقوم على أيديولوجيات المساواة والعدالة الاجتماعية، سواء كانت اشتراكية طوباوية أو دينية أو ليبرالية أو قومية أو علمية؛ أي ماركسية. والأيديولوجية القومية تقوم على تيار فكري يعتمد على وحدة الأمة والتاريخ واللغة والثقافة، وليس بالضرورة العرق أو الدين. والإخوان المسلمين كبرى الحركات الإسلامية في الوطن العربي والأحزاب الإسلامية الأخرى تقوم على الأيديولوجية الإسلامية، الإسلام عقيدة وشريعة، ونظم ومؤسسات

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٣٣