تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لا تشتر العبد إلا والعصا معه

إن العبيد لأنجاس مناكيد

وقال شاعر آخر:

والعبد يقرع بالعصا

والحر تكفيه الملامة

وفي الأمثال العامية: «العصا لمن عصى.» وكلاهما، العصا والعصيان، من اشتقاق واحد؛ فالعصا جزاء العصيان. وهو ما يفسر قسوة الأمن المركزي في قمع المظاهرات، وسحل المعارضين، وضرب الطلاب والعمال المعتصمين.

والسؤال الآن، ما هو الرمز أو الرموز التي يمكن أن تعتز بها الحياة الدينية والسياسية والثقافية العربية؟ حتما، ليست العصا أو الهراوة بيد الشرطي، أو السيف بيد السياف، أو حبل المشنقة الذي لف حول عنق صدام ليخيف من يشق عصا الطاعة من الرؤساء.

ما الذي تعتز به الثقافة العربية عبر قرونها الطويلة كي يكون رمزا لها. الشعر العربي، المتنبي وأبي فراس؟ الوحي الإسلامي ممثلا في القرآن دون توظيفه سياسيا لتبرير نظم الحكم باسم الحاكمية والربوبية والألوهية والعبودية، وتحويل القرآن إلى مجرد عقوبات وواجبات دون حقوق ومتطلبات؟

الآثار العربية والإسلامية من عجائب الدنيا؛ تاج محل، قصر الحمراء بغرناطة، الجامع الأزرق بإستانبول، القلعة بالقاهرة، مسجد الحسن الثاني بالمغرب أو كوالالمبور في ماليزيا أو روما بإيطاليا. وهي في النهاية قصور ومساجد للأمراء، وليست من آثار الشعوب. هل رموز العلم الرياضي كالحسن بن الهيثم، أو الطبيعي كجابر بن حيان، أو الفلسفي كابن رشد؟ وهل بالضرورة أن يمسك الرئيس بيده شيئا يرفعه فوق رءوس الناس؟! ولماذا يكون بالضرورة هي «العصا»؟

من يريد الديمقراطية؟

7

كثر الحديث عن الديمقراطية في الآونة الأخيرة. امتلأت بها الصحف والقنوات الفضائية والندوات المحلية والمؤتمرات الدولية، وصب فيها رأس المال الدولي مئات الملايين من الدولارات، حتى ملأت الدنيا وشغلت الناس. وهي موجة من موجات الاستقطاب الذهني مثل العولمة، وحوار الحضارات، وحقوق الأقليات، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، بعيدا عن مصالح الناس المباشرة؛ الفقر والفساد.

وكثرة الحديث عن شيء تعني أنه لا يتحقق، واستعمال الكلام كغطاء على إبقاء الأمر الواقع كما هو، القهر والتسلط والطغيان؛ لذلك يحدث رد الفعل عند جماعات العنف السياسي بإعطاء الأولوية للأفعال على الأقوال، والإعداد لقلب نظم الحكم التي أسهبت في استعمال الأقوال كغطاء يخفي العجز عن الأفعال، أو عدم القدرة عليها أو الرغبة فيها. وكثرة اليقين توحي بالشك؛ لأنه لا وجود ليقين مطلق. ما زال الحديث عن الديمقراطية يخضع لعقلية المفتاح السحري القادر على حل كل شيء، مثل «الإسلام هو الحل»، «الديمقراطية هي الحل»، من آثار «الفرقة الناجية»؛ إذ لا يوجد حل واحد لكل شيء، بل هناك عدة حلول لبعض الأشياء.

والسؤال هو: من يريد الديمقراطية بالفعل؟ من الصادق في قوله من بين آلاف المقالات والنداءات؟ وهل الذي يتحدث عن شيء يفعله أم إن الحديث مكتف بنفسه بدعوى التوعية كما هو الحال في الوعظ الديني؟ من هم أصحاب المصلحة الحقيقية في الديمقراطية على مستوى الأفعال وليس على مستوى الأقوال؟ ما هي العقبات التي أمامها والتي لا يزيلها أحد، ويكتفي بالبكاء والعويل أمام الحائط المنيع؟

هناك ثلاث قوى رئيسية تتحدث عن الديمقراطية إلى درجة الصراخ:

الأولى:

الولايات المتحدة الأمريكية والبلدان الأوروبية وإسرائيل، فيما يسمى بمشروع الشرق الأوسط الجديد أو الكبير؛ حتى يضم إسرائيل. ويطول الخطاب إيران وتركية. والدعوى هي القياس على العالم الحر، وتدعيم القيم «العالمية»، واتخاذ النموذج الغربي نموذجا للتحديث، وحتى تقل كراهية عالم الستار الحديدي ومحور الشر وجماعات الإرهاب عداءها للغرب: «لماذا يكرهوننا؟» وهي كلمة حق يراد بها باطل؛ إذ يعني المشروع الأمريكي الصهيوني بها الليبرالية الاقتصادية وليس السياسية، والخصخصة والسوق والربح، وتخلي الدولة عن سيطرتها على أدوات الإنتاج؛ فالعالم قرية واحدة، والعولمة عصر الجميع، والمنافسة حرة، والمجتمع المدني المفتوح له الأولوية على الدولة الأيديولوجية المغلقة، والشعوب في حاجة إلى استهلاك والتمتع بمستوى الحياة الأمريكية، والإنتاج مهمة الدول الأخرى مثل مجموعة الثمانية الأكثر تصنيعا، والعدالة الاجتماعية مؤجلة. تعني الديمقراطية الرأسمالية الاقتصادية دون قيمها الليبرالية في العقلانية والترشيد واحترام قوانين المنافسة الحرة، دون احتكار أو تلاعب بالأسواق أو التهرب الضريبي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٢٦