تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإسرائيل تقبل على مضض فكرة المؤتمر الدولي. وهو ليس مؤتمرا، بل لقاء لتفريغه من مضمونه الدولي الإلزامي. تتحدث عن السلام والتسوية وضرورة المفاوضات المباشرة، ولكنها لا تجد الشريك الفلسطيني. وإن وجدت فمن اختيارها، السلطة الوطنية الفلسطينية، ممثلة في رئيسها، وليس الإرهابيين الذين يودون تدمير إسرائيل ولا يعترفون بوجودها. تتحدث عن الدولتين، وتقيم جدار الفصل العنصري، وتوسع المستوطنات، وتعتدي يوميا على غزة، وتداهم المدن الفلسطينية، تهدم المنازل، وتغتال النشطاء، وتعتقل المطلوبين، وتضع مئات الحواجز في الضفة لتقطيع أوصالها، ومنع الشعب الفلسطيني من التحرك على أرضه. وتستعد للحرب ضد سورية وإيران ولبنان لإنهاء ما تبقى من مقاومة عربية وإسلامية لإرادتها وإرادة الولايات المتحدة الأمريكية.

وأحد أسباب هذا الخلف بين الأقوال والأفعال هو الموروث الثقافي؛ فالقول لدينا مكتف بذاته، والخطاب له أثر سحري، الخطاب الديني أو الخطاب السياسي. يفرج الكرب، ويخفف الهم، ويريح النفس، ويحل المشاكل، ويقضي الأزمات. واللغة العربية وسحر الكلمات يساعد على ذلك. وقد نبه القرآن العرب على ذلك، وعاتبهم بأنهم يقولون ما لا يفعلون

يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (الصف: 2-3)، ويصفهم بأنهم

يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم (آل عمران: 167)، ويحكم على الأعراب بأنهم أهل كفر ونفاق ورياء.

وفي المقابل سيطرت البرجماتية على الفكر الغربي . وهي تعطي الأولوية للفعل على القول، والعمل على النظر. وصدق الفكر ليس في صدقه النظري المنطقي، اتفاق المقدمات مع النتائج، بل في إمكانية تحقيقه العملي وأثره الفعلي في الواقع وبين الناس.

شيء واحد يتم تحقيقه خير من عشرة أشياء يتم التنظير لها. وهو أقرب إلى الموقف الإسلامي في أولوية العمل على النظر

وقل اعملوا (التوبة: 105)،

يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل (هود: 93)،

فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض (الرعد: 17).

قد تكون الأقوال دون الأفعال هي حيلة العاجز عن فعل شيء. فيتحرك عن طريق اللسان، ويناضل بالكلام، ويصول ويجول على مستوى الأقوال. وهو ما عرف باسم الخطاب السياسي العربي الذي يهدف إلى الاستهلاك المحلي وامتصاص غضب الجماهير، وهو امتداد للخطاب الديني التقليدي، «أسمع كلامك يعجبني، أشوف أفعالك أستعجب»، أو «خد من كلام الشيخ ولا تأخذ من أفعاله». أما القوي بالفعل القادر على فعل فلا يحتاج إلى قول. الفعل قوله، والصمت لغة لا يحسنها العرب. وقد وصل الأمر إلى حد اعتبار أحد المستشرقين العرب ظاهرة صوتية. والله متكلم مع أن كلام الله فعل

كن فيكون (النحل: 40)، والقرآن كلام، ولكنه دعوة إلى الفعل

وقل اعملوا . وقد غير جوته أول آية في إنجيل يوحنا «في البدء كانت الكلمة»، إلى «في البدء كان الفعل».

فمتى تتغير بنية الثقافة العربية، وتتحول من القول إلى الفعل، ومن الكلام إلى التحقيق، ومن اللغو إلى الصمت، كما نظم الشاعر العربي:

والفدائي وحده يكتب الشعر

وكل الذي كتبنا هراء

العصا

6

الحياة رموز، والدين والسياسة والثقافة رموز، والأشكال الأدبية كلها رموز. يعيش الإنسان في عالم من الرموز، ومهمته فك الشفرة ومعرفة دلالات الرموز. ضاقت الحياة بالعبارة؛ فكلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة، كما لاحظ النفري، فتحولت إلى حروف، والحروف إلى أرقام، حتى أصبحت الأرقام (الديجيتال) سمة العصر.

وتؤثر هذه الرموز في اللاوعي الديني والسياسي والثقافي وتنبثق منه، وتحليلها جزء من الأنثروبولوجيا الثقافية وسبر أغوار النفس. ولما كنا بعد عدة تجارب سياسية على مدى قرنين من الزمان ، منذ محمد علي حتى عبد الناصر، نحاول بناء الأوطان، وتعثرت محاولاتنا عدة مرات بتكالب الغرب على محمد علي وإنهاء مشروعه، وتكالبه مرة ثانية، الاستعمار والصهيونية، للقضاء على عبد الناصر الذي أراد استئناف المشروع الأول؛ نهضة مصر من أجل القضاء على استقلال مصر وتفردها في محيطها.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحب · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عرب هذا الزمان: وطن بلا صاحبص ٢٤