وانعكس ذلك على الوجود الفلسطيني في الخليج؛ فشعب فلسطين وعمال فلسطين لا بد أن يعاقبوا بسبب مواقف المقاومة الفلسطينية في حرب الخليج الثانية. ونشأ تناقض فرعي بين الوجود الفلسطيني والوجود المصري والوجود السوري في تولي الوظائف في الخليج، والكل يأكل من خشاش الأرض. وبدأ الترحيل للفلسطينيين إلى الوطن المحتل، أو إلى أوطان بديلة.
وظهر التناقض بين ما تبقى من نظم قومية والوجود الفلسطيني في ليبيا؛ فعلى العمال الفلسطينيين الرحيل إلى الدولة المقاومة التي لم تقم بعد، وما زالت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وإلى الوهم منها إلى الحقيقة. وموريتانيا تعترف بإسرائيل، وتقيم علاقات دبلوماسية معها، وهي ليست من دول الجوار؛ بناء على ضغوط أمريكية لإيقاع التناقض داخل الشعب الموريتاني بين مقاومة التطبيع وأنصاره كما وقع التناقض في جيش علي بين رفض التحكيم وقبوله، ثم تفتح مكاتب اتصال أو مكاتب تجارية في بعض دول الخليج وفي بعض دول المغرب العربي بحجة التجارة، أو عودة اليهود المغاربة إلى أوطانهم، كما يقع التناقض بين الشقيقة الكبرى والفلسطينيين المقيمين حول صعوبات الإقامة، والحصول على تأشيرات الدخول، وتحديد النشاط الساسي، أسوة بنشاط المعارضة من المصريين.
وتمتد التناقضات الهدامة خارج نطاق فلسطين ودول الجوار إلى تناقضات طائفية ومذهبية وعرقية في شتى أرجاء الوطن العربي، أكراد وتركمان وعرب في العراق، وبداية التطهير العرقي والترحيل، وعرب وبربر في دول المغرب العربي، وسنة وشيعة في العراق وباقي دول الخليج، ومسلمون وأقباط في مصر، ودروز وأكراد وعلويون ونصيريون وسنة في سورية، وموارنة وسنة في لبنان، وشماليون وجنوبيون في اليمن، زيدية وشوافع، وشماليون وجنوبيون وشرق وغرب في السودان حتى يبقى القلب وحيدا بلا أطراف، ونجديون وحجازيون في المملكة العربية السعودية، تقليديون ومجددون، محافظون وليبراليون، وقوميون وإسلاميون وقطريون في الكويت، وإسلاميون وعلمانيون في مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب، وقبائل متناحرة على الجوع والجفاف في إريتريا والصومال، والحبشة لهما بالمرصاد.
لا يحمي الأوطان من هذه التناقضات الهدامة إلا وحدة الأوطان والولاء الوطني؛ فالوطنية هي الحل بصرف النظر عن تعدديتها العرقية والطائفية والمذهبية. ولما كان حدود الأوطان مصطنعة من بقايا الاستعمار القديم، فإن القومية العربية قد تكون هي الحل للم شمل الوطن العربي، ورفع التناقضات الهدامة فيه كما كان الحال في المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات، وكما جسدته الناصرية؛ أكبر تجربة قومية في تاريخ العرب الحديث قبل الوحدة اليمنية بين شطري اليمن. وقد يكون التجمع الثقافي هو الحل؛ الثقافة الإسلامية التي جعلت الوطن العربي بؤرة عالم إسلامي أوسع يتبرك به، ويسعى إليه لتعلم اللغة والثقافة والتراث المشترك. قد تكون التجمعات الإقليمية هي الوسيلة لحماية الوطن من التفتيت والتمزق، مثل تجمع مصر وإيران وتركية لحماية المنطقة من التجزئة الداخلية والعدوان الخارجي.
وتتطلب هذه البدائل الوحدوية كلها خيالا سياسيا قادرا على تجاوز الواقعية السياسية المرة، التي هي أقرب إلى الاستسلام منها إلى المقاومة. يتطلب نخبة ثورية جديدة بدلا من النخب الحاكمة التي طال عليها الزمن، أو إرادة شعبية قوية تفرض نفسها على مسار الأحداث،
ورحمتي وسعت كل شيء (الأعراف: 156).
غياب الوعي التاريخي
تهيج الذكريات في يونيو (حزيران) من كل عام؛ ذكريات الألم والمرارة والهزيمة من النكبة الثانية. ضاعت نصف فلسطين في العصر الليبرالي في 1948م، وضاع النصف الثاني في العصر القومي الاشتراكي في 1967م. ويقتتل الرفاق، حماس وفتح، في العصر الإسلامي. والماركسيون إما في السجون، أو عند الله، أو ما زالوا يحللون أو ينظرون. وتهيج الذكريات أكثر إذا ما انقضى عقد أو فاتت عقود من الزمان؛ فنحن الآن في الذكرى الأربعين، يونيو 1967م.