تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما رأى الرشيد المبلغ استكثره، ومع ذلك صمم على تنفيذه إرادته، وانتقد يحيى البرمكي في سره حتى قالوا: إن هذه الحادثة أيضا من أسباب نكبتهم ... •••

ولقد كان المظهر مظهر أبهة وفخفخة واستبداد وتقاليد دقيقة، في الجلوس والحديث والانصراف، مما ورثوه عن الأكاسرة من قبل، ولا يعرفها الإسلام، وهذه كلها خلعت قلوب الناس، وأماتت روحهم، وجعلتهم كأنهم أحجار شطرنج مفقودة الإرادة، كما أن هذه السلطة الواسعة للخليفة مكنت للرشيد أن يتصرف في الناس تصرف الحاكم المستبد المطلق الحرية، ولولا ذلك ما أمكنه أن يقبل - مثلا - كل الإقبال على البرامكة، فتكون لهم السلطة المطلقة ... ثم ينقلب عليهم، وينكل بهم، ويصادر أموالهم، ومن يلوذ بهم.

فالنظام السائد إذ ذاك كان نظاما منسجما يناسب بعضه بعضا؛ ففي حكم الرشيد - مثلا - استبداد لا إلى حد أحيانا، وسماحة لا إلى حد، ولا يدري من يطلبه الخليفة أذاهب هو إلى القبر؟ أم راجع بآلاف الدنانير؟ إذ لا قوانين ولا اتهام، ولا دفاع للمتهم عن نفسه، ولا عمل بقانون شرعي أو قانون وضعي، فرقاب الناس كلهم معلقة بفم الخليفة ... قد يأمر بالسعد كله، وقد يأمر بالشقاء كله، وكل الأمور من معاملة الولاة للرعية، والرعية للوالي، وعلاقات الناس بعضهم ببعض تتشابه، وقديما قالوا: «الناس على دين ملوكهم.»

ومع هذا فيجب أن ننظر للرشيد على أنه حاكم شرقي مستبد له كل مزايا الحاكم المستبد من إغناء من شاء، وإسعاد من شاء، وسرعة التنفيذ فيما يرى، والخضوع والطاعة من غير تعب، وفيه رزايا الحاكم المستبد من سفك دماء من شاء، وسلب الناس حقوقهم وحرياتهم، وخضوع الناس للهوى الذي لا يعرف أين يتجه، لا لقانون معروف، ونحو ذلك.

ميزانية الدولة

وقد عثر على ميزانية للدولة العباسية من إيرادات ونفقات، شأن الميزانيات في هذا العهد، وإن كانت الميزانية التي عثرنا عليها ميزانية لعصر بعد عهد الرشيد بقليل. نكتفي ببعضها، فمنها:

1000 دينار في اليوم أرزاق أصحاب النوبة من بوابين ومماليك.

1500 دينار في اليوم أرزاق الفرسان.

600 دينار في اليوم أرزاق المختارين من الجند .

333 دينارا في اليوم نفقات المطابخ الخاصة والمخابز.

4 دنانير في اليوم أرزاق السقايين بالقرب في القصر.

100 دينار في اليوم أرزاق الحشم من المستخدمين لخزائن الكسوة والصناع والرفائين والمطربين.

44 دينارا في اليوم أرزاق الجلساء، وأكابر الملهين، ومن يجري مجراهم.

400 دينار في اليوم ثمن علوفة للخيول في الاصطبلات.

20 دينارا في اليوم أرزاق مشايخ بني هاشم، والخطباء في المساجد.

33 دينارا في اليوم أرزاق لبني هاشم من العباسيين والطالبيين.

4 دنانير في اليوم ثمن النفط للنفاطات والمشاعل ومن يخدمها.

50 دينارا في اليوم نفقات السجون.

15 دينارا في اليوم نفقات البيمارستانات ... إلخ.

وقد جمعت النفقات كلها فكانت جملتها 6974 دينارا في اليوم، أما الدخل فكان من الصدقة، والزكاة، والجزية، والخراج، والمكوس، وأعشار السفن، وأخماس المعادن، والمراصد «الجمارك»، وغلات ضرب النقود، وضرائب الصناعة ... إلخ.

وكان فضل خليفة على خليفة، وعهد على عهد في الموازنة بين الدخل والخرج، أما إذا اختلت الميزانية فقد اختلت شئون الدولة، ويكون ذلك من قلة الدخل مع كثرة الخرج، أو من كثرة الدخل مع قلة الخرج، وضياع المصالح. •••

وكانت مراسيم التعيين في غاية من الروعة والبهاء؛ فكان من يستوزر يأتي إلى القصر بعد أن يصله الكتاب الرسمي يحمله إليه أميران من أمراء الدولة، وعند خروجه إلى باب الخليفة يقدمه الحاجب إليه، فيتحدث إليه قليلا ثم يذهب إليه قليلا، ثم يذهب إلى حجرة أخرى، فيلبس لباس التشريف، ثم يعود فيقبل يد الخليفة، وينصرف إلى الديوان ممتطيا فرسا مطهمة، وبين يديه كبار الموظفين والجيش والأمراء وموظفو البلاط، وعندما يصل إلى ديوانه يقرأ عليهم مرسوم التعيين.

هارون الرشيد · الصفحة ٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٨