تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اشتهر الفضل بالكرم الذي لا حد له، وكان في ذلك يفوق كل أهل بيته، واشتهر جعفر بالقرب الشديد من الرشيد، وبالكرم دون كرم الفضل، وبالبلاغة فوق بلاغة الفضل.

وكان الخليفة في هذا العصر حاكما مستبدا برأيه، يهيمن على كل شئون الدولة، وفي يده جميع السلطات، ويشرف على الرسائل الرسمية، وعلى تعيين أمراء الأمصار وعزلهم، ووزيره ينوب عنه في ذلك، وكانت كل الأعمال التي يتولاها الوزير يتولاها إما برأيه أو منفردا عنه، ولم تكن شئون الدولة مقسمة إلى وزارات، كل وزارة لها اختصاص، فإن بغداد لم تعرف هذا النظام، بل كان الوزير وزير كل شيء؛ وزيرا للمال، ووزيرا للشئون الاجتماعية، ووزيرا للأشغال، إلى غير ذلك، كما كان الخليفة كل شيء، وإنما عرف نظام التخصيص، وإسناد كل طائفة من الأعمال إلى وزير، وتعدد الوزراء الأندلس لا الشرق ... وهذا ما جعل الوزير في الشرق واسع السلطان، يحمل كل المسئوليات. •••

وبجانب الوزير والخليفة، كان هناك مجلس استشاري، يتألف من الوزير وبعض العائلة المالكة، وهذا المجلس يستشار في المسائل العامة الكبيرة؛ كإيرادات الدولة ومصروفاتها، وتعيين كبار الموظفين وعزلهم، ومن الأسف أن ليس لدينا تفصيل كبير عن عدد أعضاء هذا المجلس، ولكنا نعلم أنه مجلس استشاري، للخليفة والوزير أن يأخذا برأيه أو يخالفاه، لا كما كان نظام الشورى في عهد النبي

صلى الله عليه وسلم

والخلفاء الراشدين، ولا كما كان مجلس الشورى في الأندلس؛ إذ كان له من السلطان ما يستطيع به أن يقضي على الخليفة ويلزمه بحكمه.

وبجانب ذلك كان صاحب البريد، وكان ذا شأن عظيم في الدولة؛ فهو بطبيعة عمله يجمع الأخبار من كل قطر بواسطة أتباعه، ويتجسس بواسطتهم على من بيدهم السلطة، وإذا كانت هنالك مؤامرة أو دسيسة، أو حض على الثورة أخبر بها الخليفة سريعا، وكانت إدارة البريد منظمة تنظيما دقيقا، وإذا استطاع الخليفة أن يحجب كل إنسان فلا يصح له أن يحجب صاحب البريد؛ لأن تأخير ساعة واحدة ليلا أو نهارا قد يجعل الأمر الخفيف مستفحلا، ويجعل ما كان يتغلب عليه باليسير لا يتغلب عليه بالكثير. وكان من شأن صاحب البريد التجسس في الداخل وفي الخارج جميعا، ومن المتجسسين رجال ونساء، ومنهم تجار متخفون، وغير تجار، مما يشبه ما عليه الأمم الغربية في هذا العصر.

توزيع الأمراء

وهناك أمير على كل قطر ينوب عن الخليفة؛ يضرب الضرائب، ويحصل الأموال، ويصرف مما تحصل على الإصلاحات العامة، وما بقي منها يرسله إلى الخليفة في بغداد، وقد بلغ ما دخل خزانة الخليفة كل سنة في عهد الرشيد حوالي 411 مليون دينار، وكانت الإمارات في عهد الرشيد تتألف من الجزيرة، وأذربيجان، وأرمينيا، ومكة، والمدينة، واليمامة، واليمن، والكوفة، والبصرة، والبحرين، والسواد، وعمان، وعراق العجم، وخراسان، وما وراء النهر، والبنجاب، والسند، والأهواز، وجنوبي فارس، والموصل، والشام، ومصر، وعلى كل إمارة من هذه الإمارات أمير يتولى أمورها، وهو مسئول عن شئونها المادية والروحية أمام الخليفة، وإذا حصلت ثورة أخبر الخليفة، وكان عليه أن يخمدها.

وبجانب ذلك أيضا كان أستاذ الدار - أو كما يقال مختصرا الأستاذ - أو كما يسمى اليوم: ناظر القصر، وهو يقوم بكل شأن من شئون الدار، ومراعاة زواره، وما يأمر به الخليفة من تنظيم حفلات كما يقوم على طعام الخليفة وشرابه، وطعام حاشيته وشرابها، إلى غير ذلك.

ثم كان ديوان الرسائل يتولى تدوين توقيعات الخليفة، وإعداد المراسيم، وما يصدر عن الخليفة، وما يرد إليه.

وكان بكل مدينة شرطة يحملون ألقابا عسكرية خاصة ... ثم كان المحتسب الذي يشرف على كثير من الشئون الاجتماعية؛ فيؤدب السكير، والمطفف في الكيل والميزان، ومن احترف حرفة ليس أهلا لها، ويستوثق من صلاحية السلع التي تباع، وعدم بهرجة النساء، ونحو ذلك.

هارون الرشيد · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٦