تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كما يحدثوننا أن الرشيد أرسل إلى شارلمان في السفارة الأولى هدية فيها فيل يسمى أبا العباس، وهدايا أخرى، وقد أخذ هذا الفيل شهرة واسعة؛ لأن الفرنج لم يكونوا رأوا فيلا قط.

وكان الرشيد قد أتى به من الهند، وبعد ذلك أرسل شارلمان وفدا إلى بلاط الخليفة هارون الرشيد، وقد قالوا: إنه مر في طريقه بالأراضي المقدسة، ثم سار إلى بلاط الخليفة في بغداد.

وقد أرسل الرشيد وفدا آخر إلى شارلمان يحمل هدايا ثمينة منها رخام ملون بألوان متنوعة جميلة، ومنسوجات من الحرير والكتان، وروائح عطرية وبلسم، وساعة مائية، وأوان نحاسية، وقد أقام السفراء عند الإمبراطور مدة، ثم أرسلوا إلى إيطاليا حيث أبحروا من هناك إلى المشرق.

وقد أنكر بعض الباحثين من الفرنج حكاية هذه الوفود بدعوى أن مؤرخي العرب لم يذكروها في كتبهم، ولكن هذه الحجة لا تقنع؛ لأن كثيرا من الحوادث حدثت في أوروبا ولم يذكرها مؤرخو العرب لجهلهم بها، خصوصا وأن بقايا هذه الهدايا محفوظة إلى اليوم، ومن المؤكد أنها مصنوعة في الشرق، وليس من المعقول أن يشتريها إسحاق اليهودي من ماله وينسبها إلى الرشيد ... فإسحاق أعجز وأحزم من أن يفعل هذا.

وأحيانا كانت تصفو العلاقات بين الرشيد والبيزنطيين؛ فقد روى سفير بيزنطي أن إمبراطور القسطنطينية أوفد إلى الرشيد وفدا فاستقبل على بضعة فراسخ من بغداد، ومر الوفد أمام جيش مؤلف من مائة وثمانين ألفا مدججين بالسلاح، وقدم للوفد أفخم الهدايا من الخليفة الرشيد، منها مائة جواد أصيل مجهزة، وثياب فاخرة، وفرش له في الطريق ثمانية وعشرون ألف طنفسة تغطي أرض الطريق، وزين عدد كبير من السفن كانت تمخر عباب نهر الدجلة، وأنه سمع بداخل القصر زئير الأسود، ورئي معها حراسها الأفريقيين مما أدهش الوفد.

وكانت هذه الوفود سواء في القسطنطينية، أو عند شارلمان، تنشر الأحاديث العجيبة عما شاهدوه ... فيعظم في عينيهم شأن الرشيد وشأن الشرق.

وكانت عقلية الرشيد إذ ذاك أنضج وأوعى من عقلية الغرب، وكانت صناعتهم أدق وأجمل، حتى ليحدثونا أن الغربيين عجبوا عجبا شديدا عند رؤيتهم البوصلة، والساعة الدقاقة، وظنوا من عجبهم أن فيهما شيطانين يحركانهما، ويأتيان بهذه الأعاجيب.

وكان من مقتضى هذه الحضارة التي شاهدناها في القصور والعمارات والأسواق والهدايا أن تصل إلينا آثارها مما يدلنا عليها، ولكن غزوة التتار التي جاءت في آخر الدولة العباسية، وقضت عليها أذهبت آثارها، وأضاعت كنوزها.

الإمبراطور شارلمان يستقبل وفد هارون الرشيد الذي جاءه بالهدايا.

فقد كانت غزوة عنيفة جامحة لم يسبق لها في التاريخ مثيل ... قال السيد أمير علي:

إن هولاكو أصدر عند زحفه على بغداد أمره بنهب المدينة وذبح أهلها، حتى خرج الشيوخ والأطفال والنساء من المنازل حاملين المصاحف على أكفهم وهم يتوسلون ويتضرعون إلى الجنود بشكل يفتت الأكباد، ولكن الغزاة لم يعبأوا باستغاثتهم، ووطئوا أجسامهم بحوافر خيولهم، وهجموا على نساء الأشراف والنبلاء.

أما الكنوز الأدبية والفنية ومخلفات المدنية الإسلامية فقد دمرت تدميرا في خلال بضع ساعات، وطفقت شوارع المدينة تجري فيها الدماء ثلاثة أيام، حتى اصطبغ ماء دجلة بالدم لعدة أميال، وظل التخريب والذبح وانتهاك الحرمات ستة أسابيع، وتقوضت القصور والجوامع إما بالنار أو بالمعاول؛ لأنه كان يغيظهم ما فيها من قبابها الذهبية، وأشعلوا النار في نتائج قرائح العلماء والأدباء، وألقيت الكتب بعضها في النار وبعضها في نهر دجلة.

وهكذا فقدت كنوز خمسة قرون، وفنيت زهرة الأمة فناء تاما ...

عهد الرشيد لولديه

واهتدى الرشيد أخيرا إلى أن يعهد بالخلافة للأمين والمأمون، ويقسم البلاد بينهما، وبعدهما إلى المعتصم، وفاته أن الملك لا يحتمل الاشتراك ... فلا بد أن يتخاصم الشريكان أو الشركاء، ويتغلب أحدهم، وهذا ما كان بعده.

هارون الرشيد · الصفحة ٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٥٣