وقد كان المهدي كريما لا يكتنز، ويحب الفنون الجميلة من غناء وشعر، وبدأ يسمعهم من وراء الستار حفظا لهيبة الخلافة، ثم جره السمار إلى أن يحضر مجلس المغنين؛ بدعوى أن اللذة في مشاهدة السمر أدعى إلى السرور، كما كان يكثر من الجواري ويحب شراءهن، ولم يكن يشرب النبيذ، ولكن يسمح للناس أن يشربوا في حضرته، وملأ بشار بغداد وغيرها بشعره الخليع من مثل:
عسر النساء إلى مياسرة
ومثل:
قد عشت بين الريحان والراح والمز
هر في ظل مجلس حسن
وقد ملأت البلاد ما بين قيفو
ر إلى القيروان فاليمن
شعرا تصلي له العواتق والشبي
ب صلاة الغواة للوثن
ثم نهاني المهدي فانصرفت
نفسي صنيع الموفق اللقن
فالحمد لله لا شريك له
ليس بباق شيء على الزمن
إسراف الرشيد
ثم انتقل اللهو في عهد الرشيد نقلة جديدة؛ فأسرف فيه إسرافا لم يعرفه خليفة من قبله، وقد منحه الله عاطفة ينسى بها نفسه متى وجدت دواعي الأنس، وساعده على ذلك سلطان البرامكة في زمنه، ونقل عادات الفرس، وما نقل عنهم من ترف ونعيم، وكان صديق الرشيد جعفر البرمكي شابا مسرفا على نفسه يلهو ما شاء له اللهو، وكلاهما كان إذا نحا ناحية يصل فيها إلى نهايتها، حتى ليخيل لمن يقرأ مثل كتاب الأغاني أنه لا يعرف إلا اللهو، ويخطو خطوة أخرى، فيشرب ويسرف في الشراب لا كما كان يفعل أبوه.
على أنه - والحق يقال - لم يكن لاهيا كل اللهو كما تصوره الأغاني، ولا جادا كل الجد كالذي يصوره بعض الناس، وإنما كان جادا لاهيا معا، تثور عاطفته الدينية أحيانا فيصلي مائة ركعة، ويبكي من الوعظ، ويحج ماشيا، وتثور عاطفته الدنيوية حينا فيسمع الغناء ويشرب الشراب.
ويقول الشعر، وتثور عاطفته الحربية أحيانا فيتولى قيادة الصائفة والشاتية، فمن الناس من يجد ويلهو ... فإذا جاء وقت الجد أسرف فيه، وإذا جاء وقت اللهو أسرف فيه، ويقول مع القائل:
ولله مني جانب لا أضيعه
وللهو مني والخلاعة جانب
فكان الرشيد من هذا الصنف يحارب فيحسن الحرب، ويلهو فيحسن اللهو، وكان أبو نواس يعجب الرشيد حين تشعشع الخمر في رأسه، فيسمعه يصف الخمر ويصف لعبها بالعقول كالذي يقوله:
اسقني يا ابن أدهما
واتخذني لك ابنما
اسقنيها سلافة
سبقت خلق آدما
فهي كانت ولم يكن
ما خلا الأرض والسما
رأت الدهر ناشئا
وكبيرا مهرما
فهي روح مخلص
فارق اللحم والدما
فاسقنيها، وغن صو
تا لك الخير أعجما
أو يقول:
يا نديمي رد بالله
مشاشي وعظامي
اسقني بالكأس والطا
س جميعا وبجام
واسقني حتى تراني
لا أرجى للقيام
فالرشيد يستخدمه كنديم على الشراب يطري له شرابه، ويحضه على الإكثار منه، فهو كالنغمة المرحة المستهترة على الوتر المرح الطروب.
وأما منصور النميري فيطرب الرشيد حين تثور عاطفته على الأمويين والعلويين، فيحتاج إلى من يغنيه بذمهم جميعا، ومدح آل العباس عامة، ومدحه خاصة وهكذا، مما نوع الشعر وفرعه، وجعل باب المديح في الأدب من أكبر الأبواب وأطولها.
وكان يجيز من شرح له مسألة نحوية أو فقهية أو أدبية كما يجيز الكثير لمن غنى فأجاد، ومن غنت فأحسنت، يسمع قول أبي العتاهية:
خانك الطرف الطموح
أيها القلب الجموح
لدواعي الخير والشر
ر دنو ونزوح
هل لمطلوب بذنب
توبة منه نصوح
كيف إصلاح قلوب
إنما هن قروح
أحسن الله بنا أن
ن الخطايا لا تفوح
بين عيني كل حي
علم الموت يلوح
كلنا في غفلة وال
موت يغدو ويروح
لبني الدنيا من الدن
يا غبوق وصبوح
رحن في الوشي وأقبل
ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده
ر له يوم نطوح
نح على نفسك يا مس
كين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عم
مرت ما عمر نوح
فأبو العتاهية يعجب الرشيد شعره؛ إذ كان به نزعة إلى الزهد، واحتقار ما عليه من ترف ونعيم ... فيسمعه يقول:
إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل
خلوت ولكن قل علي رقيب
ولا تحسبن الله يغفل ما مضى
ولا أن ما يخفى عليه يغيب