تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان على باب قصر الخلد حجرة واسعة يجلس فيها الشعراء والمغنون والفقهاء، تدور بينهم الأحاديث المختلفة في الموضوعات المختلفة، وجميعهم ينتظر دعوة الحاجب لطائفة منهم حسب مزاج الرشيد في وقته، وحسب ما يعرض له من أحداث، وأحيانا لا يجد الحاجب من يطلبه في هذه الحجرة فيذهب إليه في بيته.

وإذ كان الرشيد حاكما بأمره فهو أحيانا يرضى لا إلى حد، وأحيانا يغضب لا إلى حد؛ فكان من دعي يغتسل ويتكفن قبل ذهابه إليه، مما يعطينا صورة سيئة للحكام في هذا العهد.

مجلس العظة والاعتبار

ومجلس آخر يرجع فيه الرشيد إلى نفسه، ويدعو من يعظه، أو يذهب إليه إذا كان الواعظ لا يغشى مجالس الأمراء؛ كالذي روي أنه استدعى ابن السماك الواعظ المشهور فلما دخل عليه قال له: «عظني!»

فقال: «يا أمير المؤمنين ... اتق الله، واحذره، لا شريك له، واعلم أنك واقف غدا بين يدي الله ربك، ثم مصروف إلى إحدى منزلتين لا ثالثة لهما: جنة أو نار.»

فبكى هارون حتى اخضلت لحيته ... فأقبل الفضل بن الربيع على ابن السماك، وقال: «سبحان الله! هل يخالجك شك في أن أمير المؤمنين مصروف إلى الجنة إن شاء الله لقيامه بحق الله وعدله في عباده؟»

فقال: «يا أمير المؤمنين: إن هذا - يعني الفضل بن الربيع - ليس والله معك ولا عندك في ذلك اليوم، فاتق الله، وانظر لنفسك»، فبكى هارون حتى أشفق الموجودون عليه.

وأفحم الفضل بن الربيع، ولم ينطق بحرف حتى خرج من بحضرته، ويأتي الرشيد الفضيل بن عياض فيفتح له الباب هو والفضل بن الربيع، ثم يصعد الفضيل إلى أعلى الغرفة مسرعا، ويطفئ السراج، ويتجه إلى زاوية من زوايا الغرفة، فيبحث عنه الرشيد حتى يجده، فيقول الفضيل، وقد جس يده: «ما ألينها من يد إن نجت غدا من عذاب الله»، ثم يسأله: «لم جئت؟ ... لقد حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك، ولو سألتهم عند انكشاف الرقاب عنك وعنهم أن يحملوا عنك نقصا من ذنب ما فعلوا، ولكن أشدهم حبا لك أشدهم هربا منك.»

ثم قال: «إن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة دعا سالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة، وقال لهم: «إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا علي» - فعد الخلافة بلاء وعددتها أنت وأصحابك نعمة - فقال له سالم: «إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فصم عن الدنيا، وليكن إفطارك فيها على الموت»، وقال له محمد بن مطعم: «إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فليكن كبير المسلمين لك أبا، وأوسطهم لك أخا، وأصغرهم لك ولدا؛ فبر أباك، وارحم أخاك، وتحنن على ولدك».»

وقال له رجاء: «إن أردت النجاة غدا من عذاب الله فأحب للمسلمين ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لنفسك»، فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا حتى غشي عليه ... فقال الفضل بن الربيع: «ارفق بأمير المؤمنين»، فقال الفضيل: «يا ابن الربيع قتلته أنت وأصحابك وأرفق أنا به؟!» فلما أفاق قال: «زدني» ...

فقال: «يا أمير المؤمنين! ... بلغني أن عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه السرف فكتب إليه عمر يقول: «يا أخي اذكر سهر أهل النار، وخلود عباد الله فيها» فلما قرأ كتابه طوى البلاد حتى قدم عليه، فقال له عمر: «ما أقدمك؟» قال: «خلعت قلبي بكتابك، لا وليت لك ولاية أبدا حتى ألقى الله».»

وعاد الرشيد أيضا فبكى بكاء شديدا، ثم قال: «زدني»، فقال: «يا أمير المؤمنين! إن جدك العباس عم النبي

صلى الله عليه وسلم

جاء فقال: «يا رسول الله! أمرني على إمارة»، فقال له النبي

صلى الله عليه وسلم : «يا عم! نفس تحييها خير من إمارة لا تحصيها ... إن الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل».»

فبكى الرشيد، ثم قال: «زدني»، فقال: «يا حسن الوجه، إن استطعت أن تقي هذا الوجه من النار فافعل، وإياك أن تصبح أو تمسي وفي قلبك غش لرعيتك.»

هارون الرشيد · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٤٧