تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاغتم لذلك اغتماما شديدا، وأحضر جعفرا البرمكي ليسري عنه، فحضر ووجده كئيبا حزينا، فقال جعفر للمنجم: «أترى أن الخليفة يموت سريعا؟» قال: «نعم!» قال له: «وماذا تراه في نفسك؟» قال: «أرى عمري طويلا» قال: «اقتله يا أمير المؤمنين حتى يتبين كذبه» فقتله، واستراح الرشيد. •••

ولقد كان هذا التنجيم وسيلة لعلم الفلك، كما كان تحويل المعادن إلى ذهب سببا في تعرف قوانين الكيمياء الصحيحة، فقد رووا لنا أن محمد بن إبراهيم الفزاري صنع زيجا، ورووا أنه قدم على الخليفة المنصور رجل من الهند عالم بالحساب المعروف بالسند هند في حركات النجوم، وأمر المنصور بترجمة ذلك الكتاب إلى اللغة العربية، وأن يؤلف منه كتاب يتخذه العرب أصلا في حركات الكواكب، وبذلك ابتدأوا العلم بكثير من التخريف، وانتهوا به إلى التصحيح والتدقيق.

وظل أمر التنجيم إلى اليوم في التنبؤ بالسعادة لمن ولد في شهر كذا، والشقاء لمن ولد في شهر كذا، وفي اختلاف أخلاق من ولد في بعض الشهور عمن ولد في شهور أخرى، ونحو ذلك.

ولو كان هذا صحيحا لاطردت النتائج فيمن ولدوا في شهر واحد من سعادة أو شقاء أو سلوك، مع أنا نجد كثيرا من الفوارق بينهم ... ولكن هي طبيعة الإنسان تريد أن تخترق حجب الغيب، ويستغل الدجالون غريزة الاستطلاع عند الناس، والله أعلم.

تقدم العلوم

ولتسرب هذه الثقافات المختلفة والعناصر المختلفة إلى المسلمين ظهر أثر واضح هو تحول العلوم من أشكالها البسيطة الدائمة إلى قواعد علمية، وتسابق العلماء في ذلك، كل يريد أن يؤسس علما، وتشارك في هذا العمل علماء من العرب كالخليل بن أحمد الفراهيدي، وعلماء من الفرس كسيبويه، وأبي حنيفة، ومن الهنود كابن الأعرابي، وعلماء من المسلمين، وعلماء من النصارى، فكانت حركة غريبة حقا؛ فهذا النحو يتحول من نظرات بدائية ومسائل جزئية كالتي تروى عن أبي الأسود الدؤلي إلى علم تام وقواعد منظمة كالذي كان من الخليل وتلميذه سيبويه.

وهذا الفقه يتحول من مذهب مكون من جمع للحديث، واستنتاج منه إلى مذهب قياسي منطقي كالذي يضعه أبو حنيفة، وصاحباه أبو يوسف، ومحمد.

وهذه اللغة التي كانت تجمع كلمة فكلمة قد تم جمعها، وأخذوا يضعون معاجم في موضوعات خاصة كالخيل والإبل، ثم جاء الخليل بن أحمد هذا فوضع بكتابه «العين» أساس المعاجم اللغوية، وهذا الأدب الذي كان يروى قصيدة أو قطعة قطعة، أخذ يجمع في الكتب المطولة كالمفضليات للضبي، والأصمعيات للأصمعي، والنقائض لأبي عبيدة.

وهذا النقد الذي كان يعتمد على الذوق الفطري، فتنقد الكلمة إذا كانت نابية مثل كلمة بوزع، أو ينقد المعنى إذا كان سخيفا، كقول القائل:

هذا ابن عمي في دمشق خليفة

لو شئت ساقكم إلي قطينا

فينتقده عبد الملك بأن هذا يقال لعامل من عماله، وأن الشاعر لو قال لو شاء ساقكم ... لكان أحسن، فينقلب إلى نقد بقواعد، وقوانين كالذي فعل ابن سلام في طبقاته.

وهذا التاريخ الذي يعتمد على مجرد جمع الأخبار حيثما اتفق، يؤلف وينظم فيجعل لكل أمة موضعا، ولكل أمة حوادث حسب السنين، وما جرى فيها منظمة مرتبة.

وهذه الأنساب التي كانت في الصدور كتبت في السطور، ودونت تدوينا منظما كالذي فعل الكلبي في كتابه الجمهرة في الأنساب.

وهؤلاء رجال المحدثين الذين كان يكتب عنهم كلمة في تعديلهم أو تجريحهم كانت سببا في كتب التراجم الواسعة، يعتمد فيها على الأخبار، ومعرفة حياة كل مترجم له، ونحو ذلك، حتى لو قلنا إن كل طائفة من المعلومات انقلبت علما، ووضعت في قواعد، لم نكن بعيدين عن الصواب، فربما كانت معيشتنا في القرون التي أتت بعد، ليس إلا تردادا لما ذكروا، أو تعبيرا عنه بلغة العصور المختلفة، أو تفريقا لمجتمع، أو تجميعا لمفترق من غير كثير ابتكار.

هارون الرشيد · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٢٦