تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهناك ثقافة يونانية دخلت في الدول العربية منها ألفاظ كثيرة، كما دخلها الطب والفلسفة، وكان في بلاد العرب كثير من المثقفين بالثقافة اليونانية كعلماء حران والإسكندرية، وغير ذلك. نعم! إن العرب لم يستسيغوا الأدب اليوناني في القديم؛ لأنه يبعد كثيرا عن الأدب العربي، فلم يأخذوا منها كثيرا، وإن أخذوا منها الطب والمنطق والفلسفة.

والثقافة الرابعة الثقافة الرومانية من مثل ألفاظ التقطوها من الجواري الرومانيات ومن الرومانيين أثناء حروب المسلمين معهم، وأسرهم الأسارى منهم، وكان مما عني به في عهد الرشيد وخلفاء العباسيين عامة: الطب والتنجيم، فاتخذوهما من الوظائف الرسمية، وكان لكل خليفة طبيب خاص، ومنجم خاص. أما حاجة الخلفاء للطب فواضحة؛ إذ كان أكثر الخلفاء مرضى يحتاجون إلى طبيب يداويهم، ورووا أن المنصور كان مريضا بمعدته، ولم يستطع أطباؤه معالجته، فاستدعى طبيبا من جنديسابور هو جرجيس بن بختيشوع، وكانت مدرسة جنديسابور مدرسة عظيمة، وتعد مصدرا للثقافة اليونانية، ومركزا لنشر فلسفتها وعلومها، أسسها كسرى أنو شروان، وبناها على شكل القسطنطينية، واستجلب لها أطباء من الروم، ثم خلفهم من بعدهم من حل محلهم من أهل البلاد، وكان الذي أنشأه فيه بيمارستانات لمعالجة الفقراء، فلما جاء الرشيد استطب جبريل بن بختيشوع، وأمره بإنشاء بيمارستان ببغداد على نمط ما لجنديسابور، وكانت عائلة بختيشوع كلها نصارى نساطرة. •••

وطبيب الرشيد هو جبريل بن بختيشوع، وقد أراد الرشيد أول الأمر أن يمتحنه فأحضر له بولا مجهولا فقال جبريل: ليس هذا بول إنسان؛ لأنه ليس له قوام بول الناس ولا لونه ولا رائحته، وكان جبريل بن بختيشوع هذا مشهورا بالفضل، جيد التصرف في المداواة، علي الهمة، سعيد الجد، حظيا عند الخلفاء، رفيع المنزلة عندهم، تأتيه منهم الأموال العظيمة، ولما مرض جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي - أيام رضاء الرشيد عنهم - استدعى جبريل بن بختيشوع هذا فعالجه، وشاء الله أن يبرئه في مدة ثلاثة أيام، ومرة تمطت حظية من حظايا الرشيد، ورفعت يدها فبقيت منبسطة، ولم ينفعها علاج الأطباء، ولا الأدهان ... فاستدعى جبريل فاستحضرها، وأراد أن يكشف عن ساقها فانزعجت الجارية، وحركت يدها، وبرئت، وكان الرشيد ينتصح بقوله فيما يأكل، ومقدار ما يشرب، وبلغ عنده منزلة عالية حتى قالوا: إنه كان كل من تقلد عملا من الرشيد لا يخرج إلى عمله إلا بعد أن يمر على جبريل، وقد ثار عليه العلوية لقربه من الرشيد حتى أرادوا أن يقتلوه، وعلى العموم كان طبيب القصر، وقد قال فيه أبو نواس:

سألت أخي أبا عيسى

وجبريل له عقل

فقلت: الراح تعجبني

فقال: كثيرها قتل

فقلت له: فقدر لي

فقال وقوله فصل

وجدت طبائع الإنسا

ن أربعة هي الأصل

فأربعة لأربعة

لكل طبيعة رطل

وقال له المأمون يوما:

أخي طبك يا جبري

ل ما يشفى ذوي العله

غزال قد سبا عقلي

بلا جرم ولا زله

الإيمان بالتنجيم

وأما التنجيم فكان الخلفاء يعتقدون أن للنجوم أثرا في أحداث الكون من موت وحياة وسعادة وشقاء وصحة ومرض وسعة وتقتير في الرزق، وغير ذلك، ونشأ في الناس الاعتقاد بهذا.

وكان من أكبر من أشاعه الشيعة، فنسب إليهم كثير من التنبؤ بالحوادث، وربما كان من أكبر الأسباب في ذلك دعايتهم لأنفسهم عن طريق التنبؤات، ونسب لعلي بن أبي طالب كثير من أخبار بني أمية وسقوطهم، وظهور بني العباس، وغير ذلك من الأحداث استنادا إلى قوله: «سلوني قبل أن تفقدوني.»

وقد نسبوا إليه تنبؤات بأحداث في الدولة الأموية والدولة العباسية، ومقتل الحسين، وخروج عائشة يوم الجمل، وخروج الأمر من العلويين إلى العباسيين، وأحداث السفاح، وبعض أحداث بني بويه، ونحو ذلك، ولكن يظهر أن أكثرها وضع بعد ظهور الحوادث، ثم أسندت إليه على أنها من التنبؤات.

هارون الرشيد · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

هارون الرشيدص ٢٤