فجاءت الدولة الأموية فعاشت نحو مائة عام، ثم جاءت الدولة العباسية فعاشت أكثر من خمسمائة سنة.
والدول الغربية الحديثة تعلمت من أسباب سقوط الدولة اليونانية والرومانية، واحترست من أن تقع في مثل أمراضها ... فطال عمرها كثيرا، ولا يعلم إلا الله منتهاها، ولكنها على كل حال إلى النهاية المحتومة للأفراد والأمم، وهي الفناء، والدولة الأموية التي سبقت الدولة العباسية أخذت في الفناء من بعد وفاة عمر بن عبد العزيز، واستمرت في طلوع الروح نحو ثلاثين سنة. (1) أسباب سقوط الدولة الأموية
ولسقوط الدولة الأموية أسباب، منها: أن الأمويين شددوا النكير على العلويين، وساموهم الخسف، وكان أولاد الحسين بعد مقتل أبيهم صغارا، فلما مضى الزمن شبوا، وحاولوا أن يأخذوا بثأر أبيهم، وكان أول حجر في سقوط بني أمية قتل سليمان بن عبد الملك لأبي هاشم، وقد عهد أبو هاشم عند قتله إلى محمد بن علي رأس العباسيين، وكان الأمويون يحذرون العلويين أكثر مما يحذرون العباسيين، وذلك أمكن العباسيين أن يبثوا دعوتهم ضد الأمويين في اطمئنان.
والثاني: أن الدولة الأموية كافأت رجالها العظام أسوأ مكافأة - والرجال العظام في الدول قليل - فلما فقدت الدولة الأموية رجالها فقدت جانبا عظيما من قوتها، فكان من رجال الدولة الأموية المخلصين: موسى بن نصير فاتح الأندلس، وخالد بن عبد الله القسري، ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم، ومن خطأ الخلفاء الأمويين ظلمهم لأمثال هؤلاء الرجال، فقتلوا بعضهم؛ كخالد بن عبد الله، وقتيبة بن مسلم، ويزيد بن المهلب، وزج بموسى بن نصير في السجن.
وسبب ثالث؛ وهو: تباعد أطراف المملكة بسبب الاتساع في الفتوح، فبلغت دائرة ملكهم ما لم تبلغه قبلهم غير دولة الرومان؛ فما بين النهرين المعروف بالجزيرة، وإيران، وقسم من الأفغان، والتركستان، والقوقاز، وأرمينيا، وشبه جزيرة العرب، وسوريا، ومصر، والمغرب، والأندلس كلها دخلت في حوزة سلطانهم، وضبط هذه الأقطار المختلفة المترامية الأطراف صعب جدا، وخصوصا إذا كان الخلفاء ليسوا بالأقوياء الحازمين، بل من الضعفاء الذين يجرون وراء شهواتهم، ولذلك كان من حزم الدولة العباسية ، ومن قواعدها الأساسية عدم التوسع في الفتوح.
يضاف إلى ذلك: ما حبا الله به العباسيين من أمثال أبي مسلم الخراساني الذي نجح نجاحا باهرا في الثورة على الأمويين، والدعوة للعباسيين فاستطاع بذلك أن ينتقم من العرب جزاء وفاقا لما انتقم العرب من الفرس في مبدأ الإسلام.
وكان رجلا عظيم الشخصية جبارا، أدار الحرب على الأمويين في مهارة ونشاط وقسوة حتى نجح، ومع ذلك كافأه أبو جعفر المنصور أسوأ مكافأة بقتله بعد أن مهد له الطريق، وأزال منه كل ما اعترضه من عقبات ... شأن الأمويين في نوادر رجالهم، وشأن الرشيد - فيما بعد - فيما فعله مع البرامكة.
كل هذه الأسباب تجمعت، وكانت سببا في سقوط الدولة الأموية، وقيام العباسيين بعدهم ينكلون بهم، ويفتكون بكل من عثروا عليه منهم. (2) الأمويون والعباسيون
على كل حال ما أكبر الفرق بين الدولة الأموية والدولة العباسية ... كان الأمويون يحكمون البلاد حكما عربيا فيه بساطة وفيه عيوب القبلية، أما العباسيون فكانوا يحكمون البلاد حكما فارسيا، وكانت قصور الخلفاء الأمويين قصورا فخمة بسيطة كالذي نشاهده من آثارهم، وكانت قصور العباسيين فخمة معقدة، وكان المثل الأعلى للأمويين أمراء غسان وأمثالهم، أما المثل الأعلى للعباسيين فالأكاسرة.
وكان الولاة في العهد الأموي ذوي عقلية عربية أمثال زياد ابن أبيه، والحجاج، وخالد بن عبد الله القسري، أما في الدولة العباسية فوزراؤهم أمثال البرامكة ممن ينزعون نزعة فارسية، وهكذا ...
وربما اتفق الأمويون والعباسيون على أشياء أهمها شيئان: أولا: حصر الخلافة في بيت واحد ... هؤلاء يحصرونها في الأمويين، وهؤلاء يحصرونها في العباسيين، وتجري الخلافة على قانون الوراثة لا على قانون الشورى، ورأي أهل الحل والعقد، وكذلك: يتفقون في أنهم قلبوا الخلافة إلى ملك عضوض.