حيرته بما يثير إعجابه١.
ثم إن الجري على هذا النحو في الخطاب من خلو الكلام من التأكيد لخالي الذهن، واستحسان التأكيد للمتردد، ووجوبه للمنكر هو ما يتطلبه ظاهر حال المخاطب -وحينئذ ينبغي للمتكلم أن يراعي في خطابه ما يبدو من حال مخاطبه ليكون كلامه مطابقا- ويسمى الجري على هذا النحو إخراجا للكلام على مقتضى ظاهر الحال.
إذا علمت هذا فاعلم أن المتكلم قد يغض النظر عن ظاهر حال المخاطب، ويعتبر فيه أمرا آخر غير ما يبدو له من حاله لسبب ما، ويخاطبه على هذا الاعتبار، والجري على هذا النحو يسمى:
إخراج الكلام على غير مقتضى الظاهر:
وذلك إنما يكون حيث ينزل الشيء منزلة غيره، فمن ذلك:
١- تنزيل العالم بالحكم، أو بلازمه منزلة الجاهل بهما لعدم جريه على مقتضى علمه، فإن من لا يعمل بمقتضى علمه هو والجاهل سواء.
مثال العالم بالحكم المنزل منزلة الجاهل به قولك للمسلم التارك للصلاة "الصلاة واجبة" فهو قطعا يعلم وجوبها بحكم إسلامه، فالإخبار حينئذ خروج بالكلام عن مقتضى الظاهر، إذ مقتضى الظاهر الكف عن إخباره لعلمه بالحكم لكن نزل علمه به منزلة الجهل به لعدم جريه على موجب علمه، إذ لو كان عالما حقا بوجوب الصلاة ما تركها.
ومثال العالم بلازم الحكم المنزل منزلة الجاهل به قولك: "ضربت
١ من ذلك ما روي أن أبا إسحاق الكندي ركب إلى أبي العباس المبرد يسأله: إني لأجد في كلام العرب حشوا. فقال أبو العباس: في أي موضع وجدت ذلك؟ فقال: أجدهم يقولون: عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله قائم، ثم يقولون: إن عبد الله لقائم، فالألفاظ مختلفة والمعنى واحد. فأجاب أبو العباس: بل المعاني مختلفة، فالأول إخبار عن قيامه، والثاني جواب عن سؤال سائل، والثالث جواب عن إنكار منكر، فقد اختلفت الألفاظ لاختلاف المعاني فما أحار الكندي جوابا.