فإذا جاءت الأقدار بما نكره من موت أو مرض أو قهر أو سجن أو خوف وغير ذلك فلنذكر قوله تعالي (وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) فالله يعلم عواقب الأمور ونحن لا نعلم ، ولله الأمر جميعاً وليس لنا من الأمر شئ . ولقد آمنا بأن الله أعلم العالمين وأرحم الراحمين وأحكم الحاكمين ونعم المولي ونعم النصير فكيف لا نرضي به رباً يُدبر أمورنا ويختار لنا حتى يحينيا الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة .
إذا أراد أحدنا أن يستثمر أمواله ولا خبرة له بالاستثمار فإنما يختار مستثمراً قويا في عمله أميناً في تعامله، فيفوض له لا يناقشه ولا يُغاضبه ولا يُعارضه، ثم يرضي باختياره تمام الرضا، إذ يثق به ويُحسن به الظن ويعلم أنه أعلم وأحكم وأنه أمين ولله المثل الأعلى : رضينا به رباً خالقاً مُدبراً وآمراً وناهياً وملكاً ومُعطياً ومانعاً وحكماً ووكيلاً وولياً، وناصراً ومُعيناً وكافياً وحسيباً ورقيباً ومُبتلياً ومُعافياً، وقابضاً وباسطاً إلى غير ذلك من صفات ربوبيته عز وجل .
وإذا كانت المحنة والمصيبة في حق المؤمن (وليس لغيره) منحة وخيراً فمن حق الله عز وجل أن يمن بها عليه إذ قدرها له وثبته فيها على الصراط المستقيم، وألجأه فيها إلى التوحيد الحق، فدعاه مخلصاً له الدين، ورجاه لا يرجو أحد سواه، وتعلق قلبه به لا بغيره، فحصل له من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه، والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة من زوال المرض أو الحبس أو تلك المصيبة، ثم بعد ذلك يخرج المؤمن من البلاء وقد تّعلم الصبر، وكُفّر من سيئاته، وعلت درجاته، ثم قد يُعجّل له شيئاً من النعم ويُعوضه أكثر مما فاته بالحبس والأحكام وغير ذلك فما أعظم نعمة الإسلام علي المؤمن .. هذا بخلاف الجنة والنار .