فرقت الدنيا في أعينهم فإذا أعطوا منها شيئا فإنما هي عندهم أمانة خرجوا منها إلى الله تعالى في وقت نائبة الحق فهم خزانه و أعوانه و أمناؤه في أرضه و قد ماتت شهوات نفوسهم عن جميع حطامها و إمساكها حرصا و عدة و الدنيا عندهم كما قال صلى الله عليه وسلم إنما مثل الدنيا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح منها
وكما فعل أبو بكر رضي الله عنه حين حثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقة فأتاه بماله كله فقال ما تركت لأهلك يا أبا بكر قال الله تعالى و رسوله
فالمستغني بالله لا بالمال هكذا قلبه فمن أعطى العطية و غناه بالله تعالى لم تشخص عيناه إلى الخلف و الثواب و لم يكن عليه في وقت الإعطاء عسر ولا كراهية فهذه عطية الأولياء ونفقاتهم و من قبيل ذلك ما فعله أبو الدحداح فانه صفق يده على يد رسول الله بالعطاء فإن من أعطى الرسول فقد أعطى الله فالرسول ولي الله تعالى في الأرض يتولى قبض ما يعطى لله تعالى حتى يضعه حيث يأمر الله تعالى ثم صار إلى الحديقة لم يدخلها و أخرج عياله منها و خلا عنها و قال إني أقرضته ربي و إنما توقى دخولها مخافة أن تتبعه نفسه شيئا مما ذكرنا فلم يأمن نفسه فاجتنب دخولها لئلا يكون في النفس شيء منه