تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثُمَّ الصَّوْمُ يُجْزِيهِ فِي أَيِّ مَوْضِعَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ فِي كُلِّ مَكَان، وَكَذَلِكَ الصَّدَقَةُ عِنْدَنَا لِمَا بَيَّنَّا. وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان، وَهَذَا الدَّمُ لَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ فَتَعَيَّنَ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَكَانِ، وَلَوْ اخْتَارَ الطَّعَامَ أَجْزَأَهُ فِيهِ التَّغْذِيَةُ وَالتَّعْشِيَةُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتِبَارًا بِكَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لَا يُجْزِيهِ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ.

[فتح القدير]

وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى.

(قَوْلُهُ: وَأَمَّا النُّسُكُ فَيَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وَهُوَ وَاجِبٌ بِطَرِيقِ الْكَفَّارَةِ فَكَانَ أَصْلًا فِي كُلِّ هَدْيٍ وَجَبَ كَفَّارَةً فِي اخْتِصَاصِهِ بِالْحَرَمِ، وَقَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الْإِرَاقَةَ لَمْ تُعْرَفْ قُرْبَةً إلَّا فِي زَمَانٍ أَوْ مَكَان يُعْطِي أَنَّ الْقُرْبَةَ هُنَا تَعَلَّقَتْ بِالْإِرَاقَةِ، وَلَازِمُهُ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ كَهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ وَالْأُضْحِيَّةِ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ لُزُومُ التَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ لَحْمِهِ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ، ثُمَّ لَازِمُ هَذَا بِحَسَبِ الْمُتَبَادَرِ أَنَّهُ لَوْ سُرِقَ بَعْدَمَا ذَبَحَ يَلْزَمُهُ إقَامَةُ غَيْرِهِ مَقَامَهُ، لَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ذَلِكَ وَغَيْرُهُ فَكَانَتْ الْقُرْبَةُ فِيهِ لَهَا جِهَتَانِ: جِهَةُ الْإِرَاقَةِ. وَجِهَةُ التَّصَدُّقِ. فَلِلْأُولَى لَا يَجِبُ غَيْرُهُ إذَا سُرِقَ مَذْبُوحًا، وَلِلثَّانِي يَتَصَدَّقُ بِلَحْمِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ. (قَوْلُهُ: وَهُوَ) أَيْ الصَّدَقَةُ عَلَى تَأْوِيلِ التَّصَدُّقِ (الْمَذْكُورِ) فِي الْآيَةِ، قِيلَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْحَدِيثُ الَّذِي فَسَّرَ الْآيَةَ فِيهِ لَفْظُ الْإِطْعَامِ فَكَانَ كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ مُفَسِّرُ الْمُجْمَلِ بَلْ إنَّهُ مُبَيِّنٌ لِلرَّادِّ بِالْإِطْلَاقِ، وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ عَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ فَجَازَتْ الزِّيَادَةُ بِهِ، ثُمَّ الْمَذْكُورُ فِي الْآيَةِ الصَّدَقَةُ وَتَحَقَّقَ حَقِيقَتُهَا بِالتَّمْلِيكِ، فَيَجِبُ أَنْ يُحْمَلُ فِي الْحَدِيثِ الْإِطْعَامُ عَلَى الْإِطْعَامِ الَّذِي هُوَ الصَّدَقَةُ وَإِلَّا كَانَ مُعَارِضًا، وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ بِالِاسْمِ الْأَعَمِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

فتح القدير للكمال ابن الهمام · الجزء ٣ · الصفحة ٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

فتح القدير للكمال ابن الهمامج ٣ · ص ٤١