لك الحمد، إن الرزايا عطاء
وإن المصيبات بعض الكرم
أنا قلت سابقاً وأقول: أن أحس بأن هذه الكلمات لا تكلف فيها، ولم تصنع صناعة الشعر.
الشعر صناعة، فتراهم يقولون: صناعة الشعر، فالشعر ليس كما يظن البعض بأنه -يعني- مجرد كلمات تخرج سريعاً، لا، ربما الكلمات الأولى تخرج سريعاً، لكنها بعد ذلك تحتاج إلى بناء.
ولذلك بعض الشعراء كزهير يسمي العلماء شعره بالحوليات، لأنه كان ينقح الشعر حولاً كاملاً (1)؛ لكن من مهمات الشاعر أن يخفي عرق جهده وهو يبذل كلماته، من أجل أن يبين أنها خرجت من غير جهد، لأن الجهد يعني أن المعاني قد استعصت عليه، وهو يريد أن يخفي جهده، كالرجل عندما يبرز عضلاته يبتسم، مع أنه يضغط أشد الضغط على نفسه.
إخفاء العرق عند الكلمات الجميلة هي مهمة الشاعر ومهمة المتكلم، بأنه لا يبذل جهداً كبيراً في استخراج الدرر واستخراج الكنوز، مع أنها صعبة وشاقة.
هذه الكلمات أشعر بسهولتها وبساطتها؛ سواء كانت خرجت من نفس السياب على معنى السيولة، كخروج الماء من الإناء خروجاً سهلاً بلا مشقة، أو أنه تكلف بناءها ثم أخفى هذا التكلف؛ فكلاهما يدل على مقام جميل في التقاط المعاني في نفس هذا الشاعر بدر شاكر السياب.
(1) يقول ابن جنى: "ألا ترى إلى ما يروى عن زُهير: مِن أنه عمل سبع قصائد في سبع سنين، فكانت تسمَّى حوليات زهير؛ لأنه كان يحوك القصيدة في سنة". (الخصائص 1/ 324).