تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولو لم يكن للعباد قدرة ما وجهت إليهم هذه الأوامر، فدل على أن الله أعطاهم قدرة يزالون بها الأعمال، ويصح بها أن يكونوا مكلفين، ويصح أن تنسب إليهم أفعالهم فيقال: هذا هو القاتل فاقتلوه، هذا هو الزاني فارجموه، هذا هو السارق فاقطعوه، ويقال: هذا هو المصلي يستحق الثواب، هذا هو الصائم له أجر صيامه، هذا هو المتصدق يضاعف الله أجره، فتنسب إليه أفعاله لأنها صدرت منه، وإن كانت مقدرة ومقضية ومخلوقة لله أزلًا، ولكن لما باشرها نسبت إليه فهي أفعاله.

فلا يجوز أن يقال: ليس للعبد أية قدرة أصلًا، فهذا قول الجبرية، ولا يقال: ليس لله قدرة أصلًا فهذا قول المعتزلة، بل لله قدرة عامة وللعبد قدرة خاصة، وقدرة الرب غالبة على قدرة العبد، ودليل ذلك في القرآن قوله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (التكوير:٢٨-٢٩)، (فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله) (المدثر:٥٥-٥٦)، (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلًا * وما تشاءون إلا أن يشاء الله) (الإنسان:٢٩-٣٠)، ونحو ذلك من الآيات.

فالاحتجاج بالقدر هو قول المشركين الذين يقولون: (لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف:٢٠)، (أنطعم من لو يشاء الله أطعمه) (يس:٤٧)، فهؤلاء الجبرية الذين يحتجون بالقدر قولهم موافق لقول المشركين، والغالب أنهم لا يحتجون به إلا عند أهوائهم؛ ولهذا يقول ابن القيم في الميمية.

وعند مراد الله تفنى كميِّت وعند مراد النفس تُسدي وتُلحِمُ

وعند خلاف الأمر تحتج بالقضا ظهيرًا على الرحمن للجبر تزعم

يعني تزعم أنك مجبور، فحصل في ذلك تقسيم الطوائف إلى ثلاث:

الذين يقولون: إن العبد هو المستقل بفعله، وهؤلاء هم القدرية، وكذلك ينكرون قدرة الله ويدعون أن الله يعصى قهرًا.

فتاوى الشيخ ابن جبرين · الجزء ٦٣ · الصفحة ١٥٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فتاوى الشيخ ابن جبرينج ٦٣ · ص ١٥٧