والذي يهمنا تأويلهم لآيات الرؤية، وكثيرًا ما يورد قوله تعالى: (لا تدركه الأبصار) (الأنعام:١٠٣)، ويقال: (الإدراك: اللحاق، لا تلحقه أي لا تراه، فهي دليل على أنها لا تراه، والأبصار معلوم أنها هي الأعين، فإذا كانت لا تدركه أي لا تلحقه؛ فكيف يقال: إنه يرى؟) ويكررون ذلك دائمًا.
وإذا نظرنا إلى تفسير أهل السنة رأيناهم يفرقون بين الإدراك وبين الرؤية، وذلك لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء من كل جهاته، وأما الرؤية فإنها رؤيته مع المقابلة حقيقة، والله تعالى ما نفى الرؤية إنما نفى الإدراك، والإدراك شيء زائد على الرؤية.
روي أن ابن عباس سئل عن هذه الآية فقال للسائل: ألست ترى القمر؟ قال: بلى، قال: أكله؟ قال: لا. قال: فذلك الإدراك. أي لا ترى القمر كله، إنما ترى ما يقابلك، وأيضًا إنما تراه من بعيد، ولا تتحقق ماهيته، فإذا كان كذلك هل أنت تدري مما هذا القمر؟ ومن أي شيء صنعته؟ ومن أي شيء تركيبه وهل ترابي؟، فإذا كنت لا تراه فإنك لا تدرك ذلك، فنحن نرى القمر ويصل إلينا ضوؤه، ولكن لا ندركه كله، ففرق بين الرؤية والإدراك.
يدل على ذلك قول الله تعالى: (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخاف دركًا ولا تخشى) (طه:٧٧) لا تخاف دركًا، فالدرك هو الإحاطة أي، لا تخاف ضررًا من الكفار ونحوهم.
ولما أسرى ببني إسرائيل وخرج بهم من مصر، وانفصلوا، تبعهم فرعون بجنوده، قال تعالى: (فأتبعوهم مشرقين) (الشعراء:٦٠) (فلما تراءى الجمعان) (الشعراء:٦١) هؤلاء يرون هؤلاء (قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا) (الشعراء:٦١-٦٢)، ما المراد بمدركون؟ هل المراد بالإدراك النظر؟ فالنظر حاصل لقوله: (تراءى الجمعان:٦١)، إذن المراد بالإدراك الإحاطة يعني: إنهم سيحيطون بنا، ويمسكوننا، ولا يتركوننا، ولا ننجوا منهم، فقال: (كلا إن معي ربي سيهدين) (الشعراء:٦٢) .