والذي يبدو من مجموع الروايات أن القمح لم يكن من أطعمتهم الشائعة على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يفرض النبي -صلى الله عليه وسلم- صاعًا منه، كما فرض في غيره من الشعير والتمر، ومن الزبيب والأقط، ويؤكد ذلك ما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر قال: (أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بزكاة الفطر: صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير قال: فجعل الناس عدله مدين من حنطة)، وفي رواية أخرى: (فعدل الناس به نصف صاع من بر) (صحيح مسلم بشرح النووي: 7/60 وفتح الباري: 3/271 -272 -طبع السلفية).
قال ابن القيم: والمعروف أن عمر بن الخطاب جعل نصف صاع من بر مكان صاع من هذه الأشياء. ذكره أبو داود (وقال ابن حجر: أشار ابن عمر بقوله: "الناس" إلى معاوية ومن تبعه، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث أيوب عن نافع، أخرجه الحميدي في مسنده عن سفيان بن عيينة وفيه: "قال ابن عمر: فلما كان معاوية عدل الناس نصف صاع بر بصاع من شعير" وهكذا أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، من وجه آخر عن سفيان وهو المعتمد، وهو موافق لقول أبي سعيد وهو أصرح منه.
وأما رواية أبي داود التي أشار إليها ابن القيم، فقد ذكر الحافظ أن مسلمًا في كتاب "التمييز" حكم على الراوي فيها بالوهم، وأوضح الرد عليه. انظر: فتح الباري: 3/372 - طبع السلفية) وفي الصحيحين: أن معاوية هو الذي قوم ذلك، وفيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- آثار مرسلة مسندة يقوي بعضها بعضًا (زاد المعاد: 1/313 - 314).