وفي هذا الحديث الناصع نجد النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يرد للأنصاري السائل أن يأخذ من الزكاة وهو قوي على الكسب، ولا يجوز له ذلك إلا إذا ضاقت أمامه المسالك، وأعيته الحيل، وولي الأمر لا بد أن يعينه في إتاحة الفرصة للكسب الحلال وفتح باب العمل أمامه.
"إن هذا الحديث يحتوى خطوات سباقة سبق بها الإسلام كل النظم التي عرفتها الإنسانية بعد قرون طويلة من ظهور الإسلام.
إنه لم يعالج السائل المحتاج بالمعونة المادية الوقتية كما يفكر كثيرون، ولم يعالج بالوعظ المجرد والتنفير من المسألة كما يصنع آخرون، ولكنه أخذ بيده في حل مشكلته بنفسه وعلاجها بطريقة ناجحة.
"علمه أن يستخدم كل ما عنده من طاقات وإن صغرت، وأن يستنفد ما يملك من حيل وإن ضؤلت، فلا يلجأ إلى السؤال وعنده شيء يستطيع أن ينتفع به في تيسير عمل يغنيه.
"وعلمه أن كل عمل يجلب رزقًا حلالاً هو عمل شريف كريم، ولو كان احتطاب حزمة يجتلبها فيبيعها، فيكف الله بها وجهه أن يراق ماؤه في سؤال الناس.
"وأرشده إلى العمل الذي يناسب شخصه وقدرته وظروفه وبيئته وهيأ له "آلة العمل" الذي أرشده إليه، ولم يدعه تائهًا حيران.
"وأعطاه فرصة خمسة عشر يومًا يستطيع أن يعرف منه بعدها مدى ملاءمة هذا العمل له، ووفاءه بمطالبه، فيقره عليه، أو يدبر له عملاً آخر.
"وبعد هذا الحل العملي لمشكلته لقنه ذلك الدرس النظري الموجز البليغ في الزجر عن المسألة والترهيب منها، والحدود التي تجوز في دائرتها، وما أحرانا أن نتبع نحن هذه الطريقة النبوية الرشيدة! فقبل أن نبدئ ونعيد في محاربة التسول بالكلام والإرشاد، نبدأ أولا بحل المشاكل، وتهيئة العمل لكل عاطل" (من كتابنا "مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام").