ومما يتمم ما سبق ما ذكره العلماء في حكم دفع الزكاة إلى السلطان الجائر، واختلافهم فيه على ثلاثة أقوال:
1- الجواز مطلقًا. 2- المنع مطلقًا. 3- التفصيل.
رأى المجوزين:
أما المجوزون فاحتجوا لمذهبهم في جواز الدفع إلى الظلمة بجملة أحاديث صريحة منها ما ذكره في "المنتقي" (انظر: نيل الأوطار: 4/164-165).
( أ ) عن أنس: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، إذا أديتُ الزكاة إلى رسولك فقد برئتُ منها إلى الله ورسوله؟ قال: (نعم، إذا أديتها إلى رسولي فقد برئتَ منها إلى الله ورسوله، فلك أجرها، وإثمها على من بدلها) (رواه أحمد، كما في نيل الأوطار: 4/155- طبع العثمانية).
( ب ) وعن ابن مسعود أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (إنها ستكون بعدي أثرة، وأمور تنكرونها) قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟. قال: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم) (متفق عليه - المرجع السابق).
(جـ) وعن وائل بن حجر قال: سمعتُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورجل يسأله، فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعوننا حقنا ويسألوننا حقهم؟ فقال: (اسمعوا وأطيعوا؛ فإنما عليهم ما حملوا، وعليكم ما حملتم) (رواه مسلم والترمذي وصححه - المرجع نفسه).
ولهذه الأحاديث مغزى ذو أهمية، وهو أن الدولة الإسلامية في حاجة دائمة إلى مال تقيم به التكافل الاجتماعي، وتحقق به كل مصلحة عامة تعلو بها كلمة الإسلام، فإذا كف الأفراد أيديهم عن مد الدولة بالمال اللازم، لجور بعض الحاكمين، اختل ميزان الدولة، واضطرب حبل الأمة، وطمع فيها أعداؤها المتربصون، فكان لا بد من طاعتها بأداء ما تطلب من الزكاة. وهذا لا ينافي مقاومة الظلم بكل سبيل شرعها الإسلام.
فعلى الأفراد المسلمين أن يقدموا ما يُطلب منهم من الحقوق المالية، وعليهم مع ذلك المناصحة لولاة الأمر، قيامًا بواجب النصيحة في الدين، والتواصي بالحق والصبر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.