والذي نراه أن حديث بَهْز بن حكيم ليس فيه مطعن معتبر، وهو - كما قلنا من قبل (راجع ص94). وما بعدها. - يتضمن عقوبة تعزيرية مفوضة إلى رأي الإمام وتقديره. وهو يدخل فيما ذكرناه غير مرة من الأحاديث التي ترد عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بوصف الإمامة والرياسة، كما ذكر القرافي والدهلوي وغيرهما (انظر: ص251-253 من هذا الكتاب).
وقد سبق هذا الحديث ما تفرضه التشريعات الحديثة من عقوبات مالية رادعة للمتهربين من دفع ما عليهم من الضرائب.
والذين ردوا حديث بهز استندوا إلى أحد أمور ثلاثة:
1- بعضهم استند إلى معارضة الحديث لما ثبت أنه لا حق في المال سوى الزكاة. وقد روى في ذلك حديث مرفوع (انظر: البحر الزخار: 2/190، والمغني: 2/573، والأحكام السلطانية للماوردي ص121).
2- وبعضهم استند إلى أنه نوع من العقوبة بالمال، وهذا كان في أول الإسلام ثم نسخ.
3- وبعضهم استند إلى أن الحديث ضعيف، لضعف بهز راويه، وعلى هذا عول النووي.
فأما الأمر الأول، فسنبين في باب مستقل أن في المال حقوقًا سوى الزكاة، كما جاءت بذلك الآيات الكريمة، وصحت به الأحاديث الصريحة. فلا تعارض إذن بين حديث بهز وغيره.
وأما الثاني، فالصحيح أن العقوبة بالمال لم تُنسخ، وقد ذكر المحقق ابن القيم في "الطرق الحكمية" خمس عشرة قضية لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولخلفائه الراشدين، تحققت فيها العقوبة بالمال (انظر: الطرق الحكمية -صلى الله عليه وسلم-287- طبع المدني).
وأما تضعيف الحديث، فالذي يبدوا أنه ليس تضعيف سند، بل هو نوع من الإعلال بسبب موضوع الحديث. فهو مبني على الأمرين السابقين. ولهذا نجدهم أو بعضهم ضعفوا بهزًا بسبب هذا الحدث، ولم يُضعفوا الحديث بسبب بهز، كما هو المتبع. قال ابن حبان: لولا هذا الحديث لأدخلت بهزًا في الثقات!