"ولقد قرر الفقهاء في حال الخضوع لقرار الإمام عثمان -رضي الله عنه- : أنه في حال ظهور الأموال الباطنة، يؤخذ منها الزكاة بعمال الإمام، ولذلك كان عمل العاشرين قائمًا مع الأخذ بقرار عثمان؛ لأنهم كانوا يأخذون الزكاة عند انتقال النقود وعروض التجارة من بلد إلى بلد، إذ بذلك كانت تعتبر ظاهرة لا باطنة، فكانوا يأخذونها عند الانتقال، إلا إذا أقام الممول الدليل على أنه أعطاها للفقراء، أو أعطاها لعاشر آخر في هذا العام" (حلقة الدراسات الاجتماعية للجامعة العربية - الدورة الثالثة - بحث "الزكاة").
وهذا الكلام من الوضوح وقوة الدليل بحيث لا يحتاج إلى تعليق.
ومن هنا يجب على كل حكومة إسلامية أن تنشئ "مؤسسة" أو "إدارة" خاصة تتولى شئون الزكاة تحصيلاً وتوزيعًا، فتأخذها من حيث أمر الله، وتصرفها حيث أمر الله، كما وضحنا ذلك في مصرف "العاملين عليها" في باب "مصارف الزكاة".
ولكني أرى أن تُترك نسبة معينة من الزكاة الواجبة كالربع أو الثلث، لضمائر أرباب المال يوزعونها بمعرفتهم واختيارهم على المستورين من أقاربهم وجيرانهم، قياسًا على أمر الرسول -صلى الله عليه وسلم- للخارصين أن يدعوا الثلث أو الربع لأرباب المال، ليصرفوا زكاته بأنفسهم على أحد التفسيرين. وبذلك نكون قد أخذنا بخير ما في الطريقتين، وجمعنا بين الحسنيين وراعينا الاعتبارات التي ذكرها الحنابلة في استحباب تفرقة المالك لزكاته بنفسه.
وهذا كله بالنظر إلى الحكومة الإسلامية، وهي التي تلتزم الإسلام أساسًا لحكمها، ودستورًا لدولتها، ومنهاجًا لجميع شئونها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وإن خالفت حكم الشرع في بعض الأحكام الجزئية كما سنبين ذلك قريبًا.