يقول الإمام الطبري في تفسير قوله تعالى: (وفي سبيل الله): "يعني: وفي النفقة في نصرة دين الله وطريقته وشريعته التي شرعها لعباده، بقتال أعدائه. وذلك هو غزو الكفار".
والجزء الأول من كلام شيخ المفسرين واضح ومقبول، وهو يشمل كل نفقة في نصرة الإسلام وتأييد شريعته، أما قتال أعداء الله وغزو الكفار، فليس إلا وجهًا واحدًا من أوجه النصرة لهذا الدين.
فالنصرة لدين الله وطريقته وشريعته تتحقق بالغزو والقتال في بعض الأحوال، بل قد يتعين هذا الطريق في بعض الأزمنة والأمكنة لنصرة دين الله. ولكن قد يأتي عصر - كعصرنا - يكون فيه الغزو الفكري والنفسي أهم وأبعد خطرًا وأعمق أثرًا، من الغزو المادي العسكري.
فإذا كان جمهور الفقهاء في المذاهب الأربعة قديمًا، قد حصروا هذا السهم في تجهيز الغزاة والمرابطين على الثغور، وإمدادهم بما يحتاجون إليه من خيل وكراع وسلاح. فنحن نضيف إليهم في عصرنا غزاة ومرابطين من نوع آخر. أولئك الذين يعملون على غزو العقول والقلوب بتعاليم الإسلام، والدعوة إلى الإسلام. أولئك هم المرابطون بجهودهم وألسنتهم وأقلامهم للدفاع عن عقائد الإسلام وشرائع الإسلام.
ودليلنا على هذا التوسع في معنى الجهاد:
أولاً: أن الجهاد في الإسلام لا ينحصر في الغزو الحربي والقتال بالسيف، فقد صح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أن سئل: أي الجهاد أفضل؟ فقال: (كلمة حق عند سلطان جائر) (رواه أحمد والنسائي والبيهقي في الشعب والضياء المقدسي عن طارق بن شهاب، وقال المنذري بعد عزوه للنسائي: إسناده صحيح (التيسير للمناوي 1/182).