وبهذا علمتنا الآيات الكريمة أن الأمة كلها وحدة متكاملة على اختلاف الأمكنة، وامتداد الأزمنة، وأنها -على مر العصور- حلقات متماسكة، يعمل أولها لخير آخرها، ويغرس سلفها ليجنى خلفها، ثم يأتي الآخر فيكمل ما بدأه الأول، ويفخر الأحفاد بما فعله الأجداد، ويستغفر اللاحق للسابق، ولا يلعن آخر الأمة أولها.
وبهذا التوزيع العادل تفادى الإسلام خطأ الرأسمالية التي تؤثر مصلحة الجيل الحاضر ومنفعته، مغفلة -في الغالب- ما وراءه من الأجيال، كما تجنب خطأ الشيوعية التي تتطرف كثيرًا إلى حد التضحية بجيل أو أجيال قائمة، في سبيل أجيال لم تطرق بعد أبواب الحياة.
ولهذا قال الفقيه الجليل معاذ بن جبل لأمير المؤمنين عمر - حين هم بقسمة الأرض أول الأمر على الفاتحين: والله ! إذن ليكونن ما تكره: إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم ثم يبيدون فيصير ذلك إلى الرجل الواحد والمرأة !! ثم يأتي بعدهم قوم يسدون من الإسلام سدا، وهم لا يجدون شيئًا فانظر أمرًا يسع أولهم وآخرهم" ..قال: فصار عمر إلى قول معاذ (الأموال ص 59).
ومن هنا قال عمر لبلال وغيره ممن عارض وقف الأرض على الأمة كلها: تريدون أن يأتي آخر الناس ليس لهم شيء؟! (الأموال ص58).
قال في "المغنى": ولم نعلم شيئًا مما فتح عنوة قسم بين المسلمين إلا خيبر، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قسم نصفها فصار ذلك لأهله (يعنى ملاكه) لا خراج عليه، وسائر ما فتح عنوة مما فتحه عمر بن الخطاب رضى الله عنه ومن بعده كأرض الشام والعراق ومصر وغيرها، لم يقسم منه شيء (المغنى: 2/716).
إلى الأعلى
شراء الأرض الخراجية وبيعها