ولم يُنقل عن واحد من الصحابة ما يخالف قول عمر وابنه وابن عباس رضي الله عنهم بل استمر العمل والفتوى على ذلك في عهد التابعين، وقد نقلنا في الفصل السابق في نصاب الذهب ما صحّ عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى أحد عماله: انظر مَن مرّ بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يديرون في التجارات، من كل أربعين دينارًا: دينارًا، وما نقص فبحساب ذلك، حتى تبلغ عشرين دينارًا.
وكذلك اتفق فقهاء التابعين ومن بعدهم على القول بوجوب الزكاة في أموال التجارة.
ونقل الإجماع على ذلك ابن المنذر وأبو عبيد.
قال ابن المنذر: "أجمع أهل العلم على أن في العروض التي يراد بها التجارة: الزكاة إذا حال عليها الحول، وروى ذلك عن عمر وابنه وابن عباس، وبه قال الفقهاء السبعة والحسن وجابر بن زيد وميمون بن مهران وطاووس والنخعي والثوري، والأوزاعي، والشافعي وأبو عبيد وإسحاق وأصحاب الرأي (المغني:3/30) (أبو حنيفة وأصحابه) وهو مذهب مالك وأحمد.
وكذلك قال أبو عبيد في أموال التجارة: أجمع المسلمون على أن الزكاة فرض واجب فيها، ومع أنه ذكر قولاً آخر لم ينسبه لقائل، فقد قال فيه: وأما القول الآخر فليس من مذاهب أهل العلم عندنا (الأموال ص429).
قال القاضي ابن العربي: الزكاة واجبة في العروض من أربعة أدلة:
الأول: قول الله عزَّ وجَلَّ: (خُذْ مِنْ أمْوَالِهِمْ صَدَقَةٍ) (التوبة:103) وهذا عام في كل مال.
والثاني: أن عمر بن عبد العزيز كتب بأخذ الزكاة من العروض: والملأ الملأ، والوقت الوقت، بيد أنه استشار واستخار، وحكم بذلك على الأمة وقضى به، فارتفع الخلاف بحكمه.
الثالث: أن عمر الأعلى قد أخذها قبله صحيح من رواية أُنيس.
الرابع: أن أبا داود ذكر عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعد للبيع، ولم يصح فيه خلاف عن السلف اهـ (شرح الترمذي: 3/104).