أضحى إمام المدى المأمون مشتغلا بالدين والناس بالدنيا مشاغيل.
قال: فقلت والله ما صنعت شيئا؛ هل زدت على أن جعلته عجوزة في محرابها. فإذن من يقوم بأمر الدنيا إذا تشاغل عنها وهو المطوق بها؟ ألا قلت کا قال جدي جرير في عبد العزيز بن الوليد: فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله.
فقال: الآن علمت أني قد اخطأت.
وجاءت سكرة الموت بالحق، فأسرع المأمون الكتابة وصيته، وأمر أن يكتب إلى البلاد الكتب من عبدالله المأمون أمير المؤمنين وأخيه الخليفة من بعده أبي اسحق بن هارون الرشيد. وأوصى إلى المعتصم بحضرة ابنه العباس و بحضرة الفقهاء والقضاة والقواد. و كان ما تضمنته وصيته إلى أخيه: «يا أبا إسحق! ادن مني واتعظ بما ترى وخذ بسيرة أخيك في القرآن والإسلام. واعمل في الخلافة إذا طوقكها الله عمل المريد الله؛ الخائف من عقابه وعذابه؛ ولا تغتر بالله ومهلته، وكان قد نزل بك الموت. ولا تغفل أمر الرعية والعوام؛ فإن الملك بهم وبتعهدك لهم. الله الله فيهم رفي غيرهم من المسلمين. ولا ينتهين إليك أمر فيه صلاح للمسلمين ومنفعة إلا قدمته وآثرته على غيره من هواك. وخذ من أقويائهم لضعفائهم؛ ولا تحمل عليهم في شيء. وأنصف بعضهم من بعض بالحق بينهم؛ وقربهم وتأن بهم؛ وعجل الرحلة عني والقدوم إلى دار ملكك بالعراق. وانظر هؤلاء القوم الذين أنت بساحتهم؛ في خراسان، فلا تغفل عنهم في كل وقت. والخرمية فأغزهم ذا حرمة وصرامة وجلد واكنفه بالأموال والجنود. فإن طالت مدتهم فتجرد لهم فيمن معك من أنصارك وأوليائك؛ واعمل في ذلك عمل مقدم النبة فيه؛ راجيا ثواب الله ... با أبا إسحق! عليك عهد الله وميثاقه وذمة رسول الله ع، لتقومن بحق الله في عباده، ولتؤثرن طاعة الله على معصيته إذ أنا نقلتها من غيرك إليك ... أستودعكم الله ونفسي؛ وأستغفر الله ما سلف مني إنه كان غفارا، فإنه ليعلم كيف ندمي على ذنوبي؛ فعليه توكلت من عظيمها وإليه أنيب؛ ولا قوة إلا بالله؛ حسبي الله ونعم الوكيل؛