تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الألهية، لدانتي، أو برسالة الغفران للمعري، يخلصُ منه إلى أن الصدق سيكون الدستور الذي ينهجهُ الصديقان، ويخوضُ مع البطل في مناقشاتٍ، نطلّعُ منها على ثقافةِالمؤلف أو البطل، وسعةِ اطلاعِه ... ويصبحُ المنهجُ الديني هوالناظم الرئيسُ لأفكارِه ومسلكِه، ويتمنّى على أصدقائه لو يُتابعونه طريقهُ، وينسجوَن على مِنواله.

ينتقلُ بعد ذلك ليحدِّثنا بطل "الأمل الكبير" بأسىً عن الخامس من حزيران وماجرَّهُ على الأمة من فَشلٍ وخيبةٍ وخُسران، ثم يردف ذلك بحرب السادس من تشرين ويشتركُ البطل فيها وقد أصبح ضابطاً مجنّداً، يُسهم في الدفاع عن حياض الوطن، وتنتهي الحرب ويعود إلى عمله مديراً عاماً لإحدى مؤسَّسات الدولة، حيثُ يتاحُ له خلالها زيارة كثير من بلاد العالم الغربي والتعرُّف على مافيه من جشعٍ للربح، وبلاد العالم الشرقي ومافيه من ظلم وجورٍ وانتهاكٍ للحرية، والتعرّفَ على كثير من طباع البشر في الشمال والجنوب، ولمس كثيراً من الجوانب المشتركة بين الشعوب، واستهوته الحريّةُ والصدقُ اللتان تمثّلان ذروة قيم الخير لدى المجتمعات البشرية، وزاد إيمانه عُمقاً بأن الخلافة الإسلامية الراشدة وحدَها القادرةُ على أن تحلّ كل قضايا الإنسان على هذا الكوكب.

وأما بيت الحارس البائس أحد الأمكنة التي غدت مسرحاً في القصة، فيخصُّه بصورة قاتمة من صور البؤس الذي يلتهم ذوي الدّخل المحدود في مجتمعِ المتناقِضات ... فهو عبارة عن دارٍ استأجرها المديرُ العام "البطل" لا تتجاوزُ مساحتهاستة عشر متراً مربعاً، بارتفاع ستة أمتار" ركبت غرفتاه على غرفتين كأنّهما علبٌ من الكبريت، يُصعد للعلويتين بدرج من فسحةِ الدار الصغيرة، التي تشتِملُ على المنافع كالمطبخِ والحمام .... وكانت تستخدم فيما مضى بيتاً لحارس محطةِ سكة حديد الخط الحجازي أيام العثمانيين، وأُلغيت فيما ألغي من مرافق عامة في العهد الجديد، فاستأجرها "بطل الأمل الكبير" بعد أن قام بإصلاحها، وكان حفياً بها ينعمُ بالرضا وهدوء البال وضآلةِ الأجرةِ .. ولم يعكر عليه صفو حياتِهِ هذه إلا تلبيّه لدعوةٍ من أحد أصدقائه القدامى حديثي النعمة، الذين امتلكوا بين عشيةٍ وضُحاها، القصور الفخمة، والخدمَ والحشم- بملابسهم السوداء وقمصانهم البيضاء وأربطة العنق العرضانية "بابيون" ... وتتجلّى هنا ثورةُ البطل، إذ لم يستطع أن يحتمل هذا الزيف وهو الذي يعرف ماضي صديقه وأسرته التي كانت دون خطِّ الفقر، فيخرجُ عن طورهِ، ويبصقُ في وجه هذا الصديق القذر، الذي يمثل قمّة التقدمية، والزنا في الفكر، والعهر في المبادئ، ويقودُ زوجته، ويغادر قصر الزيف، والبهتان، ويقطع أية صلةٍ تصله بصاحبه وإلى الأبد ...

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ٩٠