تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنزواته ورغائبه .... وتتكرَّرُ دعواتُ الأصدقاءِ لتثنيه عن عناده ... ويتكرَّرُ معها تعسُّفه وقسوته لنفسه ولغيره ... وأخيراً يواجهه أحدُ أصدقائه القدامى بُجبنْه وخيبته وغطرسته، ويُقنعه بأنَّ للحياة وجوهاً كثيرة غير التي يراها، حتَّى حصل منه على وعدٍ أن يظلَّ على قيد الحياة ... وليفعل بعدها مايريدُ.

حزم "دودي" أمره وفضل أن يختار المنفى محلاً لإقامته بين الأغربة في مملكتها السوداء .. وبعد مداولاتٍ ومفاوضات، قبلته لاجئاً بشروط أملتها عليه: كأن يكون رصيناً، حزيناً، أسودَ الوجه، صامتاً ... دخل مملكتها، وأخذ ينفِّذُ كلَّ مايطلب منه، ويقتلُ الوقتَ بالقراءة والتأمُّل ... ونسي مجتمع العصافير وصديقته "مايا" وشفي من جرحه الذي خلَّفته له.

ورويداً رويداً أخذ يملُّ عيشةَ الغربان، والوجوه العابسة، التي تصادفه في كلِّ حين، والأجسام الهزيلة، واللون الأسود ... وأحسَّ شيئاً فشيئاً أنَّه يفقدُ حرَّيته التي حاول أن يحرم منها الآخرين، وأحسَّ كذلك أنَّه فقد اختياره وعاد قِناً كما أراده للآخر ... وأحسَّ قيمة الحرية واختيار المصير ... وفقد القدرة على البسمة، والمتعة والحياة الجميلة، وحُرِم من العندلة والأصوات الجميلة، فتسرب الحزن واليأس إلى نفسه، وتمنى أن يتخلَّص من هذه الحياة المقيتة الرتيبة بأيَّة وسيلةٍ، وأنْ يعود إلى عالم العصافير الذي هو عالمه الحقيقي، وهو لايحتاج إلاّ لمن يشجّعه ويدفعُه في هذا الطريق ... لأنّ أثرته وغطرسته مازالتا عالقتين في زوايا نفسه المريضة.

ويُقَيَّضُ له الفرج ذات يومٍ ربيعي رائق، برؤيّته حمامةً بيضاء رشيقة تعبرُ السماء مسرعةً مارَّة بأجواء مملكة الغربان، فينشرح صدره لها، ويحسُّ بدبيب الحياة يجري في أوصاله، والشباب يسري في دمه .. نادى عليها، وشكا غربته إليها، وبسط تعاسته بين يديها، فأشفقت عليه، وقالت: هيا معي ..

أمسك بيدها وطارا حتى وصلا غديراً تتلألأ صفحةُ مائه كالمرآة، طلبت منه الحمامة أن ينظرَ إلى الماء، ثم سألته عمَّ رأى، فأجاب رأيتُ نفسي، وكأنَّها لاحظت الفرحة تغمره، قطفت وردةً وزيَّنت بها رأسهُ، ثم طلبت منه أن ينظر في الماء، فنظر، فوجد نفسه كملكٍ متوج والبسمةُ تضيءُ وجهه، فقالت له ما معناه: كن جميلا تر الوجود جميلاً، فالحياة لا تعكسُ إلاّ صورتك ... فأنت الذي ترى الحياة وتجعلُها مرحةً، وأنت الذي تملؤها قتامةً وحزناً.

شكر العصفور "دودي" صديقته الحمامة من كلِّ قلبه، ووعدها أن يعمل بنصيحتها، عاد العصفور"دودي" إلى مملكة الغربان فرحاً مسروراً بزِّيه الجديد ... فأُنْذِرَ إمّا بالعودة إلى شروطهم السابقة أو بالمغادرة ... وفي صبيحة يومٍ ربيعي

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ٧٥