تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنّها ترفض أن تتزوّجه كيلا تعكر حياته ... وتتابع: لقد اقتحم ذاك أسوارَ حياتها العالية، حياتها الخالية من أية تجربة ... مع ذلك لم تستسلم، ولم ترمِ سلاحها، لأنَّها كانت تخشى الخديعة وتكره الكذب ... ذاك أحبّها بصدقٍ وحرارةٍ، دون أن يلجأ إلى تلك الكلمات، بل كان ينفِّذُ ماتريدُه منه، فتصنعَهُ على عينها، دون أن يتذمَّر أو يعترض ... لأنه كان في خيالها السجين صورةً لفتى الأحلام، وكان حريصا على الفوز بقلبها.

أنهى دراسته وجاء يستشيرُها في التقدم إلى أهلها لخطبتها، لكنَّها اعترضت، لأنَّها مازالت طالبةً، وتحتاجُ لثلاث سنوات، وعليه هو أن يذهب لدراسة الاختصاص الذي أرادته له ... وبعد عودته سيتمُّ كل شيء.

وذهب لأوربا للحصول على الدكتوراه في الطبِّ، وبدأت تسمعُ عنه، مالا تستسيغهُ، ومايُسيء إليها ... ، وأخذ يتنكَّرُ للقيم التي زرَعتْها فيه ... فهوى عن عرشه بعد أن تصدَّع ... فتجاوزته، وعزفت عن أخلاق الذئاب ... فما وجدتْ بغير الكُتاب ملاذاً، فنجحت بتفوقٍ، وعملت ونجحت بعملها ... وهاهي ذي تدفع ثمن غلطةِ حبها غدراً، وصمتاً ودموعاً لا تنهمر، وأناتٍ لا تُسمع ... وعادَ إليها نادماً متأسفاً، تقول: عاد إليِّ باكياً مُعتذراً ... لم أحْنقْ ... فقد كانت العاصفةُ قد انجلت وحلَّ محلّها الوداعةَ والصفاء ... لكنّني شعرتُ باحتقارٍ شديدٍ له، وبرثاءٍ مشوبٍ بالألم ... وكأنِّي متفرجةٌ على هذه المأساة، فقد طردّته من حياتي، وأصبح خارج عالمي ... لأنَّني لا أجمعُ نِفايات العالم وأقذارَه ... ولم أقبلْ توبتهُ، وذهب، ولم أشعر بالأسف لا نصرافِه الذليلِ، وتقيَّأت فعلاً ... وشققْت طريقي وأنا أذكر ماقالوه يومَ رفضتُّ الزواج من ابن عمي: تُرى ماذا ستكونُ عليه نهايةُ هذه المجنونة؟ ... وظلْلتُ وحيدةً، وبنيتُ حياتي على هذا الأساس ... ولو أنّي قبلتُ أمراً مسلّماً به في ذلك الحين، كما تفعلُ معظمُ الفتياتِ لجنَّبْتُ نفسي مشقة الطريق وقساوة الصراع، ولأرحتُها من مرارة التجربة".

لقد غفرت إيناسُ للناس جميعاً، وبدأت نفسُها تصفو، ولكنَّها لاتريدُ أن تضيفَ إلى الماضي الذي مَرّ مستقبلاً، أو حاضراً مُرَّاً مثله، ولن تسمحَ لنفسها أن تتزوَّج رجلاً مهما أحبَّتْه، مادام رجلٌ قد مرّ في حياتها، لأنَّها لن تسمحَ لنفسها باحتقار نفسها.

وطلبت منهُ أن يبحث عن امرأةٍ يتزوجها، فهي لا تريدُ أن تعذِّبَه أوتشقيه لأنَّها تحبُّه، وكل ماتخشاه من الرجل هو أن يعيِّرَها لأنَّها شربت كأساً غير كأسه قبله ... مسكينةٌ إيناس مظلومةٌ وظالمةٌ، ظلمَت نفسها، وظلمها هو ... كلُّ ذنبها

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ٦٠