تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والهندسة والمصورات ليهرب من ضياعه ... من غُربته اللتين تمزِّقانه ... ليتخلَّص من وحدته القاتلة التي تلفُّه في غياباتها ... يبحثُ عن صديقٍ حميمٍ يفضي إليه بمكنوناتِ قلبه، ودَخيلةِ نفسه، ومايمزِّقه وينهشه من الداخل، وقد عزَّ الصديقُ ... وبعدَ طول اغترابٍ، ومعاناة وحدةٍ قاسيةٍ، وصبر مرير طال، يجدُ هذا الصديق الصدوق ... يجدُه على أضواءِ حبٍّ سحري يكشف له عن أسرار حياته ... ومن هنا تبدأ أحداثُ الرواية في الاشتباك والتفاعل، بين أحمد الجديد، وأحمد القديم، فتتوتَّر حيناً، وتسلُسُ أحياناً أخرى، تدفعُ الحدثُ الروائي بعصاً سحرية تحت أروقة أسلوب روائي فذٍ متمكِّن، من خلال حوارٍ ذكيٍّ بين "الأحمدين" بلغةٍ مصقولةٍ برَّاقة، تحملُ درجات عالية من طاقات التفجير في التعبير الموائم لمقتضيات الحدث، وهذه نقطةُ تفوقٍ تحسَبُ لصالح الرواية في امتلاكها لناصِية اللغة الروائية، التي تتكاثف وتتكاثفُ لرسمِ المشاهدِ والصورِ واللوحات البارعة التي تخطفُ إعجابَكَ ببريقها ... أحمدُ القديم الذي صارع أمواجَ الفراغ والوَحدة والشتات والتمزُّق ... وأحمدُ الجديد الذي نفضَ عن عباءةِ حياته، الصورَ القديمَة القاتمةَ، وطردَ أشباحَ الغُربة التي كانت تتسربلُه بالضباب .. فأضاءَ نورُ الحبِّ عُمْقَ أعماق روحه المتعطِّشة للحياة والنور، ومنذُ آنئذٍ، انقلبَ إنساناً جديداً، ويخاطبُ أحمدَ القديمَ قائلاً: "لم تعدْ حياتي مملوءةً بالصور القاتمة، بل دخلها شيءٌ مرّمري مُشرق، وأضاءَها نورُ الحبِّ، فأصبحتْ أفكاري تموجُ بالحياة والحركة، وبُعثتُ في يومها إنساناً جديداً".

ويتابعُ "أمّا صديقُك - أحمد القديم- فقد اهترأ، واندثرت بقاياهُ يوم ولد -أحمد الجديد- وأصبحَ سعيداً بمشاكله وأمانيه، بأحاسيسه وآماله ... " ويدورُ بينهما حوارٌ ذكي جميل، يُنبي عن سعَة أفق وثقافة عميقة.

وأحمدُ الجديد هذا الذي لمسَ الحبُّ قلبَه بأصابعه السحريَّة، وأضاءَ قناديلَ حياته بأقباس نورانيَّة ... شابٌ جدِّي من بيئة محافظة في حيٍ من أحياء مُدننا التي يؤمُّها طلابُ العلم للدِّراسة في معاهدها وكلِّياتها من كل حدبٍ وصوب، ليتزوَّد بسلاح المعرفة ليعينهم على تذليل مصاعب العيش .. يدرسُ أحمدُ الهندسة، ويتفوق، ويحصل على منحةٍ دراسية في الخارج، ليعودَ بعد انقضاء مدَّة دراسته سالماً غانماً ... ويعملُ بجدٍونشاط، ويَسَّتغرقُه العملُ ... وهاهو ذا يحدَّثُ أحمد القديم قائلاً: "لعلّك تسخر مني لو قلتُ لك إنّ أمل مراهقٍ في قوته وعنفوانه، في اندفاعه وحيويته، قد استيقظ في أعماقي رغم كلّ العواصف التي هبَّتْ وتهبُّ على أيامي ...

في رحاب الفكر والأدب · الصفحة ٥٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في رحاب الفكر والأدبص ٥٤