أحضان مجتمعٍ لا يسرُّ عدواً ولا يرضي صديقاً، مجتمع من الذكورة، لا تحظى فيه الأنثى بشيء من الاحترام، أو من المساواة والعدل .... وتستمرُّ الروائية إنعام مسيطرةً على خيوط اللُّعبة الفنيّة في روايتها. وتحرِّكها ببراعةٍ ودقَّةٍ متناهيتين، دون أن تفقد زِمامَ الحدثَ من يدها مما جعلنا نشعر أنَّها تلوي عُنق أبطالها، وترغمُهم على قبول ما ترضاه هي لهم من القيم التي ربَّما هي نَفسُها آمنت بها، وتريدُ أن تثبِّتَها في مجتمعها وبناتِ جيلها وشبابه، حيثُ تتساوق الأحداثُ جميعُها لتصبَّ في المجرى الرئيسي للرواية، الذي يري لنا قصَّة كفاح "إيناس" و "أحمد" الجامعيَّين .... إنَّها قصةٌ إنسانيةٌ بالمعنى الشامل "ولكنَّها أيضاً اجتماعيةٌ بمعنى أنَّها تتعرَّض لقيمٍ اجتماعيةٍ معيَّنة، وتُهاجمها .... ولعلَّ الخيط الذي يشدُّ خيوط الرواية بعضها إلى بعض - هو العلاقة القائمةُ على التناقض بين الوهم المثالي، وتجربة الحياة اليوميَّة".
أ- إيناس ... تلك الفتاة المتمرِّدةُ على العادات والتقاليد الفاسدتين في مجتمعنا، والمقولات السقيمة المسبقّة الصنع، التي يتناقلُها الأغبياءُ، جاهلاً عن جاهل، فتضرب بهاعرض الحائط لتختطَّ لنفسها طريقاً وسطَ ا لأشواك والعُقد الاجتماعية، والنفسيَّة التي كانت هي المحركُ الرئيس لخطِّ صعودها المستمر المتفاعل مع الحدث الذي كان انعكاساً لردودِ أفعالِ الآخرين وأفعالها، فقيَّدْت حياتَها، وربطتْ مصيرها بأصفاد وأغلال قاسية، داخل أسوارٍ عاليةٍ من الأوهام المريضة، أخرجتْها عن مجراها الطبيعيّ، وأوقعتها في مأزقَ ومزالق عكَّرْت تساوُق تسلسل حياتها النفسيّة، وبعثرتها وذرتها في مهبِّ الريح، وأغرقتْها في أوهامٍ وعقد نفسية جديدة أشدَّ هولاً، وزجَّتْها في إرباكات اجتماعية أسوأ بكثيرٍ مّما ثارتْ من أجله وتمرَّدت عليه، وليْتهالم تثُرْ، ولم تتمردْ وعاشت كبقية القطيع لو فرت على نفسها الكثير من المعاناةِ والألم، وماكان أغناها (عن وجَعِ القلب وشتات الفكر، والتعلُّق بمقولات لانصيب لها على ساحة الواقع، وأرضيّة التطبيق لدينا وجود.
فالحرُّيةُ مطلب إنساني مشروع، يساوي وجودَ الإنسان أصلاً على هذا الكوكب. والحرّيةُ في نظر جيلنا الغارب، كانت مشروعاً نهضوياُ وللأسف غير مضمون، وغير مأمون عبر المتغيّرات الاجتماعيَّة التي عصفت بنا منذُ الثلاثينات من هذا القرن ... لا بل منذُ أقدم العصور أيامَ السومريين والبابليين والكنعانيين العرب قبل خمسة آلاف سنة حتى يومنا هذا ...
نحنٌ عبيد، أقنانٌ للسلطتين الدينيَّة والمدنيةِ، تتعاونان منذُ فجر التاريخ منذ ذلك الحين على ركوبنا، وتسخيرنا لمصالحهما وأغراضهما الدنيوية غير