تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي أمثال العوام: قال الحائط للوتد: لم تشقني؟ فقال الوتد للحائط: سل من يدقني فلو كانت العبارة تتأتى منها ما عبرت إلا بما قد استعير لها. وعلى هذا المعنى حمل كثير من العلماء قوله تعالى أخباراً عن السماء والأرض حين قالتا: ﴿أتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ ﴿إنّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّم?واتِ والأرْضِ والجِبَالِ فأبيْنَ أن يَحْمِلْنَها وأشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ومنها تلقي الكلام من الجبال مثل قوله: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى? يُونُسَ بْنِ مَتَّى? عَلَيْهِ السَّلامُ عَلَيْهِ عَبَاءَاتَانِ قَطْوَانِيَّتَانِ يُلَبي وَتُجِيبُهُ الجِبَالُ، والله يَقُولُ: لَبيْكَ يَا يُونُسُ" فقوله: "كأني" يدل على أنه تخيل حالة سبقت لم يكن لهافي الحال وجود ذاتي، لأنّ يونس بن متى عليه السلام قد مات وتلك الحالة منه سلفت وفي هذا الحديث إخبار عن الوجود الخيالي في البصر، والوجود الخيالي في السمع.

ومنها تلقي الكلام بالشبه: وهو أن يسمع السامع كلاماً أو صوتاً من شخص حاضر فيلقى عليه شبه غيره مما غاب عنه، كقوله عليه السلام في صوت أبي موسى الأشعري إذ سمعه يترنم بالقرآن "لَقَدْ أُعْطِيَ مِزْمَاراً مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ" ومزامير آل داود قد عدمت وذهبت. وإنما شبه صوته بها وكما إذا سمع المريد صوت مزمار أو عود فجأة على غير قصد يتخيل صرير أبواب الجنة وشبهها بما فجأ صوته من ذلك، فهذه مراتب الوجود فأنت إذا أحسنت التصرف بين أساليبها ولم يعترك غلط في بعضها ببعض، ولا اشتبهت عليك، وسمعت عمن نظر بمشكاة نور الله تعالى إلى كاغد وقد رآه أسود وجهه بالحبر فقال له: ما نال وجهك وقد كان أبيض أشقر مونقاً والآن قد ظهر فيه السواد، فلم سودت وجهك؟ فقال: سل الحبر، فإنه كان مجموعاً في المحبرة التي هي مستقره ووطنه فسافر عن الوطن ونزل بساحة وجهي ظلماً وعدواناً، فقال: صدقت. ثم أنت إذا سمعت أمثال هذه المراجعات أعمل الفكر وحدد النظر وحل الكلام إلى أجزائه التي ينتظم منها جملة ما بلغت؛ فسأل عن معنى الناظر، ومعنى المشكاة، ومعنى نور الله سبحانه، وما سبب أنه لم يعرف الناظر الكتابة والمكتوب؟ وبأي لسان خاطب الكاغد، وكيف مخاطبة الكاغد وهو ليس من أهل النطق؟ وفيما صدق الناطق الكاغد؟ ولم صدقه بمجرد قوله دون دليل ولا شاهد؟ فيبدو لك ههنا من الناظر هو ناظر القلب فيما أورده عليه الحس، والمشكاة استعارة من مشكاة الزجاجة التي أعمرت بسراج النار، إلى خبر المعرفة الملقب بسر القلب شبيهاً بها، لأنها مسرجة الرب سبحانه وتعالى أشعلها بنوره، ونوره المذكور ههنا عبارة عن صفاء الباطن واشتعال السر بطلوع نيران كواكب المعارف الذاهبة بإذن الله تعالى بظلم جهالات القلوب، ووجه إضافته إلى الله تعالى على سبيل الإشارة بالذكر لأجل التخصيص بالشرف، والكاغد والحبر كناية عن أنفسهما لا عن غيرهما، وجعلهما مبدأ طريقه وأول سلوكه إذ هما في عالم الملك والشهادة الذي هو محل جولة الناظر في حال نظره.

في اشكالات الإحياء · الصفحة ٣٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في اشكالات الإحياءص ٣٤