تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

المكروه والمحبوب إلا من الله سبحانه فكان يقول: "الحمد لله" وأهل هذه الرتبة على الجملة في حال خصوصهم فيها صنفان: مريدون، ومرادون، فالمريدون في الغالب لا بد لهم من أن يحلوا في المرتبة الثالثة وهي توحيد المقرّبين، ومنها ينتقلون، وعليها يعبرون إلى المرتبة الرابعة ويتمكنون فيها. ومن أهل هذا المقام يكون القطب والأوتاد والبدلاء، ومن أهل المرتبة الثالثة يكون النقباء والنجباء والشهداء والصالحون والله أعلم.

فإن قلت: أليس الوجود مشتركاً بين الحادث والقديم والمألوه والإله، ثم معلوم أن الإله واحد والحوادث كثيرة؛ فكيف يرى صاحب هذه المرتبة الأشياء شيئاً واحداً؟ أذلك على طريق قلب الأعيان فتعود الحوادث قديمة ثم تتحدث بالواحد فترجع هي هو، وفي هذا من الاستحالة والمروق عن مصدر العقل ما يغني عن إطالة القول فيه. وإن كان على طريق التخييل للمولى لما حقيقة له، فكيف يحتج به؟ أو كيف يعد حالاً لولي أو فضيلة لبشر؟.

الجواب عن ذلك: أن الحوادث لم تنقلب إلى القدم ولم تتحد بالفاعل، ولا اعترى الولي تخييل فتخيل ما لا حقيقة له وإنما هو ولي مجتبى وصديق مرتضى، خصه الله تعالى بمعرفته على سبيل اليقين والكشف التام، وكشف لقلبه ما لو رآه ببصره عياناً ما ازداد إلا يقيناً، وإن أنكرت أن يكون وهب الله المعرفة به على هذا السبيل أحداً من خلقه فما أطم مصيبتك وما أعظم العزاء فيك حين فتشت الخلق بمعيارك وكلتهم بمكيالك وفضلت نفسك على الجميع، إذ لا سبب لإنكارك إن صح إلا أنك تخيلت أنه لم يرزق أحد ما لم ترزق، أو يخص من المعرفة ما لم تخص، فإذا تقررت هذه القاعدة فصار ما كشف لقلبه لا يخرج منه، وما اطلع عليه لا يغيب عنه، وما ذكره من ذلك لا ينساه ولا في حال نومه وشغله، وهذا موجود فيمن كثر اهتمامه بشيء وثبت في قلبه حاله: أنه إذا نام أو اشتغل لم يفقده في شغله ونومه كما لا يفقده في يقظته وفراغه، ولهذا والله أعلم إذا رأى الولي المتمكن في رتبة الصديقين مخلوقاً كان حياً أو جماداً صغيراً أو كبيراً لم يره من حيث هو هو، إنما يراه من حيث أوجده الله تعالى بالقدرة وميزه بالإرادة على سابق العلم القديم ثم أدام القهر عليه في الوجود، ثم لما كانت الصفات المشهودة آثارها في المخلوقات ليست لغير الموصوف الذي هو الله عز وجل بل له، ألهت الولي عن غيره وصار لم ير سواه، ومعنى ذلك أنه لا يتميز بالذكر في سر القلب وخير المعرفة، ولا بالإدراك في ظاهر الحس دون ما كان موجوداً به وصار عنه فانياً، فبعد هذا على من أصحبه أن لا يحتاج إليها مع هذا الوضوح، ولا فهم إلا بالله، ولا شرح إلا منه، ولا نور إلا من عنده، وله الحول والقوة وهو العلي العظيم.

في معنى إفشاء سر الربوبية

وأما معنى "إفشاء سر الربوبية كفر" فيخرج على وجهين:

في اشكالات الإحياء · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في اشكالات الإحياءص ٢٦