تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كذلك يحمل خطر الخطأ في ادراك معناه في السياق، والبيان العربي يعلم عنه تسمية الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، كما أنه يسمى بالاسم الواحد المعاني الكثيرة (انظر الفقرة رقم 176 من الرسالة للإمام الشافعي)، ولعل كلمة ((إيمان)) هي أكثر الكلمات العربية والشرعية التي تحوي معاني في داخلها، ولذلك فلا عجب أن تكون هي أول مسائل الخلاف التصوري الذي وقعت فيها أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

عظمة هذه الكلمة ((إيمان)) أنها أسّ وجذر الارادة الانسانية، فلا انبعاث لها إلا بعد حصول الايمان، أي ثبوت صدق الخبر أو تعين الهدف، ولما كان الانسان هو الارادة التي تثبت وجوده وحياته وكذلك هويته، فإن الانسان لا يكون إلا بالايمان أي بما يبعث الارادة؛ وشقا هذا الايمان هو تصديق الخبر وتعين الهدف، وهو الذي يعبر عنه العلماء بقولهم: الايمان قول وعمل، فما كان من الأقوال والأعمال مما يتعلق بالأخبار كان فعل الانسان ازاءها هو التصديق المجرد، وما كان من الأقوال والأعمال مما يتعلق بالفعل كان فعل الانسان ازاءها هو التصديق والرغبة بتحصيل أجورها وهو الذي سميته تعين الهدف أي الاحتساب.

فكون هذا اللفظ؛ أي لفظ الايمان، بهذا المعنى يعني أن الايمان هو الوجود بشقيه: الشهادة والغيب، فيكون الايمان صحيحاً إذا وافق هذا الوجود، ويكون باطلاً إذا كان علا خلافه، ويكون ناقصاً إذا غابت عنه بعض حقائقه.

لتحقيق ارادة الفعل لابدّ من القوة، فحين تكون الحقيقة الايمانية عملاً من الأعمال فإن ((الايمان)) بهذه الحقيقة لا يكون تاماً إلا بإيقاعها، ولوجودها لابدّ من قوة قادرة على تحقيقها وإلا كان غيابها سبباً في غياب جزء من أجزاء الايمان اللازمة لوجود حقيقته.

ما دخل من مفاهيم باطلة على كلمة الايمان في التاريخ الاسلامي كان على وجهين؛ أولاهما اخراج بعض حقائق الايمان منه، وثانيهما فساد ترتيب الأجزاء فيه.

فأما الفساد الأول فإن الايمان هو الانسان كله كما طلبه الله تعالى أن يكون في قوله ((قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين))،فالانسان له قلب يفعل ويريد ولسان ينطق وجوارح تعمل، فكل شق من هذا قد ملأته أوامر الله تعالى بما يناسبه من الطاعات، وكل هذه الطاعات إيمان، وهي أجزاء لهذا الاسم العظيم، وقد وقع أن سحب من داخل هذه الكلمة بعد أجزائها وتم قصرها على أجزاء أخرى، وبذلك تعطلت أعمال العبودية في هذا الجانب أو ضعفت، وأي تعطيل لهذه الطاعة والعبادة أو تهوين لها هو تهوين لدور المسلم في هذه الحياة الدنيا والحياة الأخرى وحسر لفاعليته في الوجود.

فأما الفساد الثاني فهو أن اجزاء أي شيء قدري أو شرعي، مادي أو معنوي لا تكون عل مرتبة واحدة، فكما أن الوجود ليس شيئاً واحداً فكذلا أجزاؤه ليست على مرتبة واحدة، فهناك ما هو ركن للشيء أو شرط له، وهناك ما هو واجب من واجباته، وهناك ما هو تحسيني تكميلي له، فإن اختل تسمية بعض أجزائه وتنزيله عن مرتبة أو رفعه فوق درجته حصل الفساد في الاسم، اذ ذهاب الشرط والركن ذهاب للشيء، وافساد كلي له، فقد يحكم على الايمان بالذهاب الكلي لذهاب جزء واجب منه فيكون هذا فساداً، وقد يسمى بعض اجزائه مما هو شرط أو ركن واجباً فلا يحكم على الايمان بالذهاب الكلي لذهاب هذا الجزء، وهذا فساد في الحكم سببه فساد فهم الاسم.

في أن لو تفتح عمل الشيطان · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في أن لو تفتح عمل الشيطانص ٥