خضوعه وعذابه وقهره لذة واستمتاع يقاتل عليها، ويقتل من يريد أن يفكه ويخلصه منها، وهذه الصورة لا تقع في الوجود إلا على وجهين معاً أو على أحدهما؛ أولاهما أن تقع على وجه التعبد والاخبات، فيخضع التابع لمعبوده الباطل خضوع ذلة قلبية وهذا واقع الكثيرين من المشايخ، اذ أنهم لجهلهم في دين الله تعالى وقلبهم لحقائقه لا يلتفتون للواقع البتة بل هم أسرى لوهم النص والتقليد واتباع الأقدمين دون التفات للمناط المغاير بين واقع مضى وواقع معاصر، وثانيهما الجهل المتجذر الذي يصنع الاستمراء والعرف القاهر، ولا يخرج المرء من هذا الدين العجيب الذي يقبل به صاحبه الذلة والخضوع المهين إلا بعلم شرعي شديد وعقل سنني رشيد.
*****
إن هذا الفقه العظيم حرب على فقه الركون والسكون والتثبيط في أي باب من أبواب الحياة، وهو حرب على فقه قبول الأمر الواقع وترك منازعته ومدافعته، وهو رفع لارادة المرء المسلم إلى معالي الأمور وأعلاها وأنفعها لنفسه وللوجود، وفيه يتحقق الصناعة الربانية للمرء المسلم أن ينازع الجبال ولا يخشاها، وأن يخوض المجاهيل ولا يرهبها، وأن يقتحم الغد ولا يخشى الفشل أو الإخفاق.
إنه دعوة نبوية أن الاخفاق في تجربة لا يبعث يأساً، ولا تثبيط همة، بل يزيد السالك اصراراً أن يعود مرة بعد مرة.
إن ما يلزمك للذهاب بعيداً في تحقيق أعلى الأمور هو أن تعلم سنن الحياة كما هي دون أوهام أو أساطير، بأن تقرأ التاريخ جيداً حتى تعلم ما هو الذي يحقق النفع للوجود، وما هو الذي يغير مسارات الحياة، وما هو الذي يحيي الأمم وشعوبها فتحرص على ذلك كله، ثم أن تضع رجلك على الجادة السليمة مستعيناً بالله، ثمّ لا عليك من كل الموانع فإن وجودها قدر كل الوجود، اذ لا يوجد في الوجود هدف بلا موانع ومشاق، بل استعن بالله وذلك بالتوكل القلبي، والثقة بالوعود الالهية وبالأخذ بالسنن الربانية والتي هي أوامر يجب اتباعها، فإن حصل المطلوب فهو ما تحب ويحب الله لك، وإن كانت الأخرى فلا تخاف العار ولا الاثم ولا تستمع لكل أولئك الأخباث الشياطين ممن جلسوا على شاطئ الهوان والكسل والبطالة مدعين الحكمة أنهم جربوا وخبروا فلم يجدوا سبيلاً بعد ذلك إلا الركون للباطل، وكفى بهذا الإسم (أي الباطل) عاراً أنه يعني الفراغ والذهاب، وهم كذلك في فراغ من عمل جاد وفي ذهاب إلى اللاشيء.
يكفيك شرفاً إن مت أنك متّ وأنت تسعى، ويكفيك عزاً إن ذهبت إلى الله وأنت في ذلك أنك ستدعى يوم القيامة تحت لواء محمد صلى الله عليه وسلم لأن المرء يحشر على ما مات عليه، فشتان بينك وبين من مات وقد غزا اليأس قلبه، وامتلأ قلبه بالهوان والكفر بالوعود الالهية أن النصر آت.
إياك أن تغير الطريق الصعب حين تخفق في الوصول إلى هدفك راضياً بالفتات الذي يجنى بلا مشقة ولا تعب، بل ((احرص على ما ينفعك))، ولا يكون هذا إلا بالطريق الصعب الشاق، لأن هذا قدر الحياة.
تعلم أن الاخفاق والفشل ليس عاراً ولا عيباً ولكن العيب والضلال هو مدّ الأرجل والألسنة، كسلاً وتعالماً غثاً وقطعاً للطريق على السالكين إلى رضى الله وبلوغ ما يحبون، فإن رأيت أحداً يدعي المراجعة ثمّ آلت به المراجعة إلى تغيير الطريق فاعلم أن قلبه صار مأوى للشيطان، وسيصير به الحال أن يكون عضواً في مملكته بل وجندياً من جنوده.