تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. (النازعات29:27).

فارجع الآن إلى النطفة وتأمل حالها أولاً وما صارت إليه ثانياً. وتأمل أنه لو اجتمع الجن والإنس على أن يخلقوا للنطفة سمعاً أو بصراً أو عقلاً أو قدرة أو علماً أو روحاً أو يخلقوا فيها عظماً أو عرقاً أو عصباً أو جلداً أو شعراً هل يقدرون على ذلك؟! بل لو أرادوا أن يعرفوا كنه حقيقته وكيفية خلقته بعد أن خلق الله تعالى ذلك لعجزوا عنه، فالعجب منك لو نظرت إلى صورة إنسان مصور على حائط تأنق النقاش في تصويرها حتى قرب ذلك من صورة الإنسان، وقال الناظر إليها: كأنه إنسان، عظم تعجبك من صنعة النقاش وحذقه وخفة يده وتمام فطنته وعظم في قلبك محله مع أنك تعلم أن تلك الصورة إنما تمت بالصبغ والقلم واليد وبالحائط وبالقدرة وبالعلم والإرادة وشيء من ذلك ليس من فعل النقاش، ولا خلقه بل هو من خلق غيره، وإنما منتهى فعله الجمع بين الصبغ والحائط على ترتيب مخصوص فيكثر تعجبك منه وتستعظمه!!

وأنت ترى النطفة القذرة كانت معدومة، وخلقها خالقها في الأصلاب والترائب، ثم أخرجها منها وشكلها فأحسن تشكيلها، وقدرها فأحسن تقديرها وتصويرها، وقسم أجزائها المتشابهة إلى أجزاء مختلفة. فأحكم العظام في أرجائها وحسن أشكال أعضائها

وزين ظاهرها وباطنها، ورتب عروقها وأصابعها، وجعلها مجرى لغذائها ليكون ذلك سبب بقائها، وجعلها سميعة بصيرة عالمة ناطقة.

وخلق لها الظهر أساساً لبدنها، والبطن حاوياً لآلات غذائها، والرأس جامعاً

لحواسها.

ففتح العينين ورتب طبقتها، وأحسن شكلها ولونها وهيئاتها، ثم حماها بالأجفان لتسترها وتحفظها وتصقلها وتدفع الأقذاء عنها، ثم أظهر في مقدار عدسة منها صورة السماوات مع اتساع أكنافها و تباعد أقطارها فهو ينظر إليها.

ثم شق أذنيها وأودعها ماءً مراً ليحفظ سمعها ويدفع الهوام عنها، وحوطها بصدفة الأذن لتجمع الصوت فترده إلى صماخها، ولتحس بدبيب الهوام. وجعل فيها تحريفات

في النفس والدعوة · الصفحة ٢٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

في النفس والدعوةص ٢٦٨