تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومنها أن يكون المذنب عالمًا يُقتدى به، فإذا علم منه الذنب، كبر ذنبه (١).

٣ - فإن قيل: ما بال الإنسان يقع في الذنب مع علمه بقبح عواقبه؟

فمن ذلك أجوبة، منها: أن العقاب الموعود ليس بحاضر.

ومنها: أن المؤمن إذا أذنب لا بد أن يعزم على التوبة، وقد وعد أن التوبة تجبر ما فعل، وطول الأمل غالب على الطباع، فلا يزال يسوف بالتوبة، فلما رجا التوبة أقبل على الذنب.

ومنها: أنه يرجو عفو اللَّه عنه، وعلاج هذه الأسباب أن يفكر في نفسه أن كل ما هو آت قريب، وأنه لا يأمن هجوم الموت، ويعالج التسويف بالفكر في أن أكثر صياح أهل النار من التسويف، والمسوف يبني الأمر على ما ليس إليه، وهو البقاء، فلعله لا يبقى، وإن بقي فربما لم يقدر على الترك غدًا كما يقدر عليه اليوم، وهل عجز عن الحال إلا لغلبة الشهوة وهي غير مفارقة له غدًا؟ بل يتأكد بالاعتياد، من هذا هلك المسوفون؛ لأنهم يظنون الفرق بين المتماثلين، وما مثال المسوف إلا مثال من احتاج إلى قلع شجرة، فرآها قوية لا تنقلع إلا بمشقة شديدة، فقال: أؤخرها سنة ثم أعود إليها، وهو لا يعلم أن الشجرة كلما بقيت ازداد رسوخها، وهو كلما طال عمره ازداد ضعفه، فالعجب من عجزه مع قوته عن مقاومتها في حال ضعفها، كيف ينتظر الغلبة إذا ضعف وقويت.

وأما انتظار عفو اللَّه تعالى: فعفو اللَّه سبحانه ممكن، إلا أن الإنسان ينبغي له الأخذ بالحزم، وما مثال ذلك إلا كمثل رجل أنفق أمواله كلها، وترك نفسه وعياله فقراء ينتظر من اللَّه تعالى أن يرزقه العثور على كنز في خربة، وهذا ممكن إلا أن صاحبه ملقب بالأحمق، واللَّه سبحانه وتعالى أعلم (٢). انتهى من كتاب «مختصر منهاج القاصدين».

٤ - صلاة التوبة:

عن أبي بكر رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه - ﷺ - يقول: «ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر ثم يصلي [أي ركعتين] (٣) ثم يستغفر اللَّه إلا غفر اللَّه له، ثم قرأ هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ - أُولئكَ جَزَآؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ

(١) «مختصر منهاج القاصدين» (ص ٢٥١: ٢٥٨). (قل).

(٢) راجع كتاب «مختصر منهاج القاصدين» لابن قدامة المقدسي (ص: ٢٥١: ٢٦٧). (قل).

(٣) لرواية ابن حبان والبيهقي وابن خزيمة. راجع «فقه السنة» لفضيلة الشيخ سيد سابق (ج ٢ ص ٧٢).

ففروا إلى الله - القلموني · الصفحة ٤٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

ففروا إلى الله - القلمونيص ٤٥