والبعضُ يعتمدُ على فتاوى من يُسمَّون بموظَّفي اللجان الشرعية عند البنوك في العالم الإسلامي , ومِمَّن نَصَبَ نفسه مفتياً لها ولأسهمها ومعاملاتها , مع مُعارضة الكثير منها لفتاوى العلماء الْمُعتبرين .
فيقع بذلك الفساد لثلاثة أوجه :
الأول : أصحاب البنوك , يقولون : لولا أنَّا على صواب لأنكر علينا موظَّفو هذه اللجان الشرعية , وكيف لا نكون مصيبين وهم يأكلون من أموالنا , ويعملون لدينا ؟! .
الثاني : العوام وضعاف النفوس , فإنهم يقولون : لا بأس بالمساهمة والتعامل مع هذه البنوك , فإنَّ موظَّفي هذه اللجان الشرعية لا يبرحون عندهم .
والثالث : موظفو اللجان الشرعية حيث حملوا أوزارهم وأوزاراً مع أوزارهم .
قال شيخنا صالح بن فوزان الفوزان وفقه الله تعالى : ( والله أنا لا أعرف هذه الهيئات الشرعية , وأخشى أنها مسألة حيلة فقط , أو أنهم يختصون ناساً يوافقونهم على رغبتهم , يُحضِّرون ناساً باسم طلبة علم على رغبتهم , يُوافقونهم ويُعطونهم شهادة شرعية , أنا أخشى من هذا , إذا كانوا صادقين أنهم يتحرَّون الشرع , لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء , إذا كانوا سيحترزون من الحرام , أم إنهم يُكوِّنون لجنة من عندهم , لجنة هم الذين يشكلونها على رغبتهم , فأنا ما أثق من هذا العمل , ولا أرى الاعتماد عليه ) (1)
(1) الرِّبا وبعض صوره المعاصرة ص42 .
وصدقَ شيخنا حفظه الله ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) فقد كان من هدي السلف الصالح كما قال الإمام ابن المُبارك رحمه الله تعالى : ( كان فقهاء أهل المدينة الذين كانوا يصدرون عن رأيهم سبعة : ابن المسيب , وسليمان بن يسار , وسالم , والقاسم , وعروة , وعبيد الله بن عبد الله , وخارجة بن زيد , وكانوا إذا جاءتهم مسألة دخلوا فيها جميعاً فنظروا فيها ) سير أعلام النبلاء للذهبي ج4/461 , تهذيب التهذيب لابن حجر ج3/378 , فتح المغيث للسخاوي ج3/159 .
وأيضاً : مما يدلُّ على سَعة فقه شيخنا - حفظه الله - في قوله : ( لماذا لا يسألون اللجنة الدائمة , أو هيئة كبار العلماء ) حيث أنَّ ولي الأمر في هذه البلاد - حفظها الله بالإسلام - قَصَرَ الفتيا في الأمور العامة على هيئة كبار العلماء وعلى اللجنة الدائمة للإفتاء , وهذا أيضاً له أصله الشرعيُّ من سُنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه , فعن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى قالَ : ( قالَ عُمَرُ رضي الله عنه لابنِ مسعودٍ أَلَمْ أُنَبَّأْ , أو أُنبئتُ أنَّكَ تُفتِي وَلَستَ بأمير , وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا ) أخرجه الدارمي واللفظ له ح175 بابُ : الفتيا وما فيه من الشِّدَّةِ ص77 , وعبد الرزاق في مصنفه ح15293 , وابن عبد البر في الجامع ج2/143 , والذهبي في السير ج2/495 .
قال أبو داود في سننه ح4481 : ( وقال الأصمعي : وَلِّ حَارَّهَا مَنْ تَوَلَّى قارَّهَا : ولِّ شديدَها مَنْ تَوَلَّى هَيِّنَهَا ) .
قال الذهبي رحمه الله تعالى : ( يَدلُّ على أنَّ مذهبَ عمر رضي الله عنه : أن يَمنع الإمامُ من أفتى بلا إذن ) السير ج2/495 .
وروى الإمام المروزي في ( ما رواه الأكابر ح47 ص61 ) : عن ابن وهب قال : ( سمعتُ منادياً يُنادي بالمدينة : ألا لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وابن أبي ذئب ) وانظر : العلو للعلي الغفار للذهبي ح351 ج2/967 وفيه : ( نُودي مرَّة بالمدينة بأمر المنصور .. ) .
وقال أبو الوليد الباجي : قال ابن وهب : ( حججتُ سنة ثمان وأربعين ومائة , وصائحٌ يَصيحُ : لا يُفتي الناسَ إلا مالكُ بن أنس , وعبد العزيز بن أبي سلمة ) التعديل والتجريح ج2/699 , وانظر : تاريخ بغداد ج10/436 , المنتظم لابن الجوزي ج8/275 .
وروى الإمام البخاري رحمه الله في تاريخه ح2999 عن عبد الله بن إبراهيم بن عمر بن كيسان قال : ( أخبرني أبي : أذكرهم في زمان بني أمية صائحاً يصيحُ : ألا لا يُفتي الناسَ إلا عطاءُ , فإن لم يكن عطاء فابن أبي نجيح ) وانظر : أخبار مكة للفاكهي ح1643 ج2/347 , طبقات الفقهاء للشيرازي ص57 , تهذيب الكمال للمزي ج20/78 , تاريخ مدينة دمشق ج40/385 .