وتلحظ في الأمثال ما لحظنا في الحكمة من أنها في الشرق أغزر منها في الغرب، وأن العرب من أكثر أمم الشرق أمثالا، وأنها ظلت نحو ألف وخمسمائة عام تزيد في ثروتها المثلية، وكتاب ككتاب مجمع الأمثال للميداني على وفرته وغزارته وعظيم قدره، لا يمثل إلا جزءا قليلا من أمثال العرب؛ فقد كانت اللغة العربية لغة أمم مختلفة ؛ من فرس، وهند، ومصريين، وسوريين، وعرب خلص، ولكل من هذه الأمم أمثال طبعت بطابعها، ونشأت في حالات اجتماعية مختلفة؛ من ذل، وعز، وكبرياء، وخضوع، واستبداد، واستعباد، وغنى، وفقر، وكانت هذه الشعوب تنفس عن نفسها بأمثالها، وقد صيغت الأمثال العربية أحيانا باللغة الفصحى، ورويت كذلك في مثل كتاب الميداني، وأحيانا رويت باللغة العامية؛ كما في الفصل الذي عقده الأبشيهي في كتابه (المستطرف في كل فن مستظرف)؛ فقد نقل فيه صورة طريفة من الأمثال التي تجري على ألسنة الناس في عصره وفي بيئته، بجانب ما رواه من الأمثال باللغة الفصحى. •••
وأهمية الأمثال تأتي من ناحية أنه لو عرفت أمثال كل أمة في عصر من العصور؛ أمكن الاستدلال بها على كثير من شئونها الاجتماعية، والدينية، والاقتصادية، والسياسية، والخلقية، فهناك أمثال تمثل حياة البدو، وأمثال تمثل حياة الحضر، وهناك أمثال تمثل حياة أمة في حالة العز والمجد، وأخرى في حالة التعفن، وهكذا.
كما يمكن درس الأمثال من حيث تأثيرها في سلوك الشعب، واستجابته لها، وخضوعه لتعاليمها، فالأمم الإسلامية تأثرت تأثرا كبيرا بأمثال القرآن؛ مثل:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ،
وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، و
كل نفس بما كسبت رهينة ،
ما على المحسنين من سبيل ... إلخ، وبالأمثال الواردة في الحديث مثل: «اليد العليا خير من اليد السفلى»، «يد الله مع الجماعة» ... إلخ، وبالأمثال الدائرة على الألسنة من أمثال العرب أو المولدين أو العامة، وكانت كلها دروسا أخلاقية تلقن للشعوب في جميع الأجيال، ثم هي موضع خصب لدراسة أدبية من ناحية أسلوبها، وفنها، وطابعها، وخصائصها التي تمتاز بها عن موضوعات الأدب الأخرى.
وقد يكون مما يستحق النظر أني ألحظ قلة أثر الأمثال ودورانها على الألسنة، والاستشهاد بها في السلوك عما كانت عليه منذ جيل؛ فقد كنت أسمع جدتي ووالدتي وأهل حارتي يكثرون من استعمال الأمثال والاستشهاد بها، فقل ذلك في عصرنا الحاضر، وهي على ألسنة المثقفين اليوم أقل منها على ألسنة العامة، فهل هذا أثر من طغيان المدنية الحديثة التي لا تقوم الأمثال كثيرا؛ وقد نحا أدباء العربية منحى أدباء الغرب وتذوقوا بذوقهم، فقللوا مثلهم من الاعتماد على أمثالهم، وحذا المثقفون حذوهم، أم أن الاعتماد على الأمثال وكثرة اقتباسها ضرب من ضروب البدع (المودة) نستخدمها في حال، ونهجرها في حال، وكل يوم هي في شأن؟!
كل هذا وأمثاله مجال للنظر العميق والدرس الدقيق.
ويكفيني الآن أن أوجه النظر وأثير التفكير.
| سؤال وجواب
كتب إلي شاب سوري يقول:
نحن الشباب المتعلم تغمرنا موجة من الحيرة والاضطراب والقلق، ننظر في كل ناحية من نواحي الحياة فينقبض صدرنا ولا ينطلق لساننا، سواء في ذلك حالتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية؛ وما يزيدنا أسفا شعورنا بركود الأحوال، والخوف من سوء المآل، وقلة الرجال؛ ثم ننظر إلى أنفسنا فنجدنا مملوئين غيرة وحماسة وحبا للإصلاح، ولكنا لا ندري ماذا نعمل وكيف نعمل، فتخمد غيرتنا وتفتر حماستنا ويستولي علينا ما يشبه اليأس، ثم سرعان ما يجري الدم حارا في عروقنا؛ فننفض هذا الشعور اليائس البغيض ونستعد للعمل، ثم لا نجد ما نعمل، وهكذا أصبحت حياتنا ذبذبة بين اليأس، والرغبة في الإصلاح، وهي حال تستوجب الكرب، وتحرج الصدر، فهل عندكم من علاج؟!