تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا وهكذا؛ تقرأ في هذا الكتاب صفحات متعددة، فكأنك تقرأ نكبة فلسطين وأسبابها ونتائجها؛ حتى لو أنك غيرت اسم فلان وفلان بفلان وفلان، وغيرت اسم إسبانيا بإنجلترا وأمريكا إلى نحو ذلك، رأيت أن التاريخ يعيد نفسه بالمعنى الذي ذكرنا.

ثم إنهم كثيرا ما يذكرون أن التاريخ عظة وعبرة، وهذا صحيح أيضا، ولكن عظة العامة وأشباههم من التاريخ غير عظة الخاصة وأشباههم منه؛ فالعامة يتعظون منه كما يتعظون من دروس الوعظ، يرون ملكا زال وأبهة وغنى وعظمة فارقت أهلها، فيتعظون من ذلك ويقولون: «ما لشيء دوام»، أما الخاصة فعظة التاريخ عندهم أنهم يقرءون أحداث التاريخ العظمى ويتعمقون في دراسة أسبابها الأصلية، ويستخلصون من ذلك قواعد كلية عامة كقواعد الطبيعة والكيمياء وعلم الأحياء وعلم الاجتماع، ويتعظون من ذلك بمعنى أنهم إذا رأوا الأسباب تتكون؛ قرءوا النتائج قبل حدوثها وأنذروا بها قبل أن تكون، وطالب المصلحون منهم الأمة بأن تستأصل الأسباب قبل أن تحدث النتائج الخطيرة، فدفعوا الشر قبل وقوعه، إذا سمع الناس لقولهم وأصغوا لإنذارهم، وهذا منتهى العظة.

| في ضوء المصباح

كتب الدكتور زكي نجيب محمود مقالا في العدد الماضي من الثقافة؛ تطبيقا على المذهب الجديد في الأدب، الذي يرى أن الأديب يجب أن يسجل مجرى خواطره كما تقع في شعوره، من غير أن يتخير منها شيئا، ومن غير أن يفرق بين هام وغير هام؛ ولا مانع من أن تكون الأفكار غير مرتبة ولا خاضعة للمنطق؛ ولا مانع من أن تسجل الأفكار التافهة والمشاعر الوضيعة بجانب الأفكار القيمة والمشاعر الرفيعة؛ ولا مانع - كما قال - من أن يسجل الأديب شيئا تافها جدا بجانب شيء جيد جدا، وأن يفكر في لحظة في السماء، ثم يفكر في لحظة أخرى في الأرض، كما فعل أحد زعماء هذه المدرسة؛ وهو (ت. س إليوت) من كلامه عن السماء أمطرت أو لم تمطر، ثم أعقب ذلك بقوله: إن الفطيرة عجنت ببيضة أو بيضتين.

وهو مذهب لا أراه صالحا، وأسأل الله ألا يبلى به أدباء العرب فيقلدوا هذه المدرسة ويزيدوا على عيبها الأصلي عيب التقليد، وقد بدأت طلائع هذا التقليد عند بعض كتاب القصص اللبنانيين والعراقيين.

إن الفرق بين هذا المذهب وما قبله من المذاهب، أن المذاهب التي جرى عليها الأدب إلى اليوم كانت تتصور الأدب على أنه سجل خير الأفكار وخير المشاعر في خير أسلوب، وهذا المذهب الجديد يرى أن الأدب هو سجل لخواطر الأديب عن نفسه أو غيره كائنة ما كانت، تافهة أو قيمة، وضيعة أو رفيعة، والرأي الأول أعقل وأعدل وأصح؛ لأن هذا المذهب الجديد يهدم فكرة التخير التي يمتاز بها الفن كما يمتاز بها فنان عن فنان، إن ميزة الفنان الكبرى هي في تخيره نماذج وألوانا، وانسجام الألوان واختيار الأوضاع، فإذا عدم هذا الاختيار عند الفنان لم يكن فنانا، وكذلك ميزة فنان على فنان أنه أرقى ذوقا في اختيار موضوعاته، وفي اختيار ألوانه، وفي تنسيق هذه الألوان؛ وأساس المدرسة الجديدة هدم فكرة الاختيار والتجويد، وعرض كل ما يجول بخاطر الأديب حيثما اتفق، فمثل من يتبع هذه المدرسة مثل من يضع أثاث الحجرة حيثما اتفق؛ من غير إعمال ذوق ولا فن.

ثم إن كل أديب مهما رقي، ككل إنسان تأتي عليه لحظات يفكر فيها أفكارا سخيفة ويشعر مشاعر سخيفة، وتأتي عليه لحظات أخرى يسمو في أفكاره ومشاعره، بل قد تتقارب هذه اللحظات، فيمتزج السخيف بغير السخيف والرفيع بالوضيع من الأفكار والمشاعر، فأي خير للناس في أن يعرفوا ما سخف من أفكاره، وما وضع من مشاعره؟ إن فضل الأديب أن يسمو بالناس فيما يسمو به من أفكار، لا أن ينحط مع الناس فيما انحطوا فيه من أفكار، وإلا فلا معنى للتجويد، ولا لحصر الذهن، ولا الأناقة، ولا أي شيء من ذلك، ما دامت وظيفة الأدب كما تقول المدرسة الجديدة هي عرض كل الأفكار والمشاعر؛ بل إن واجب الأديب أن يستر بعض مشاعره وأفكاره إذا أحس بضعتها ونقصها، كما يجب أن يستر كل إنسان مخازيه ومعايبه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٨٠