تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أمامنا ثروة كبيرة لما أنتجه العالم الغربي من أيام نهضته إلى الآن، وهي ما تسمى بأمهات الكتب، جدت كل أمة حية في ترجمتها إلى لغتها، والعالم العربي لم يحقق هذه الغاية ولم يقم بهذا الواجب إلا على نطاق ضيق جدا، وهو يسير فيه من غير منهج معروف ولا خطة مرسومة.

وكل أمة حية وضعت لها أنسيكولوبيديا، أو بعبارة أخرى (دائرة معارف) بل دوائر معارف، في كل شأن من شئون العلم دائرة، بجانب الدائرة الواسعة الشاملة؛ وهي من حين إلى آخر تجدد معارفها حسب ما وصل إليه العلم الحديث وتجدد نشرها، والعالم العربي كله إلى الآن ليس له دائرة معارف عربية واحدة، ولا يكون هذا إلا عن طريق التعاون؛ ولا يمكن وضع دائرة معارف عربية إلا إذا اتفق قادة العلم في الأمم العربية على وضع المصطلحات الحديثة للعلوم والفنون الحديثة، وهذا ما لم يتيسر إلى الآن.

أمام العالم العربي الآن أرض بكر؛ هي أرضه، في كل بقعة منها من المواد الخامة ما تتلمظ له أفواه الغربيين، وما يكفي لإسعاد أهلها جميعا، ومع ذلك نتركه في يد غيرنا يستغلون القليل منه، ونترك الكثير ضائعا مع ما بنا من فقر وعوز وحاجة، ولا يمكن علاج هذا الإهمال إلا بالتعاون العلمي بين المثقفين ثقافة علمية واقتصادية؛ حتى يضعوا الخطط لدراسة هذه الثروة وكيفية استغلالها والانتفاع بها بيدنا لا بيد غيرنا.

إن قوى المفكرين منا قوى لا بأس بها، يمكن الاستفادة منها، ويمكنها أن تحقق الأغراض التي نرمي إليها، ولكن كثيرا منها قوى ضائعة، إما بمحاربة بعضها بعضا، وإما باستقلالها بنفعها وعدم تعاونها مع غيرها، وإما بضعفها الخلقي بما ينتابها من كسل وخمود وتراخ وتوان؛ فإذا تعاونت وخرجت عن خمودها أمكنها على الأقل أن تحقق بعض غايتها.

في كل يوم من الأيام دليل واضح يقوم على وجوب هذا التعاون، وصيحة تنادي بأن العالم الغربي لا يسمح لأمة بالوقوف ولا بالتقهقر، وأن من لم يعمل كان عرضة لأن يستعبد ويستذل ويستغل ويداس بالأقدام؛ فكيف نسمح لأنفسنا أن نقف هذا الموقف الذليل، ولا نبذل كل جهدنا ونستخدم كل قوانا لتحطيم القيود التي كبلتنا أزمانا طويلة، ثم نسير إلى الأمام في سرعة وإقدام؟!

لقد تغير منهج الحياة ووضعت لها أسس جديدة، فبعد أن كان أساس الحياة التقاليد والعرف والعادة وأقوال السلف، أصبح أساسها العلم، في كل شيء؛ في تربية الطفل، في الزراعة، في الصناعة، في الشئون الاجتماعية والصحية؛ فما لم نؤسس حياتنا الجديدة على هذا الأساس الجديد لا يمكننا أن نسير مع السائرين.

لو كنا في عزلة عن العالم لوجب أن نعمل ولوجب أن نرقى ولوجب أن ننهض، فكيف ونحن محاطون بالأعداء ينعمون بجهلنا، ويرتقبون أخطاءنا، ويعدون علينا كسلنا وخمولنا؟! ولا أمل في الخروج من هذه المآزق التي نقفها إلا بالتعاون الصادق في رسم الخطط وتنفيذها، وأولها الخطط الثقافية بجميع أنواعها.

| التاريخ يعيد نفسه

جملة مشهورة، كثيرة الدوران على الألسنة، ولكن ما معناها وما مدى صحتها؟

أما إن أريد أن الحوادث نفسها بأشخاصها وزمانها ومكانها تعود مرة ثانية وثالثة، فهذا ظاهر البطلان، فمحال أن يعود الإسكندر أو نابليون أو تيمورلنك فيفتح فتوحه، ومحال أن يعود سقراط في أثينا ويعيد دروسه، ومحال أن يعود المتنبي إلى مصر فيلقى كافورها، أو إلى حلب فيلقى سيف دولتها، أو نحو ذلك، فالجملة على هذا المعنى سخافة ظاهرة.

أما المعنى المقبول والذي يظهر لي أنه صحيح، فهو أن كل حدث من أحداث الزمان نتيجة لمقدمات، فإذا تمت المقدمات ظهرت النتيجة لا محالة، وإذا تشابهت المقدمات تشابهت النتائج، وهذا الأمر يتكرر دائما على نمط مطرد؛ فكلما حدثت مقدمات من نوع خاص حدثت النتيجة بعينها، خذ لذلك - مثلا - الثورات، فالثورة إنما هي نتيجة لمقدمات كثيرة، مثل حال سيئة اجتماعية تسود الشعب، ودرجة عالية من غليان الشعب، وزعماء يوقدون النار تحتها، ونحو ذلك من مئات العوامل، وهذه هي المقدمات، فإذا حدثت كلها ولم يتخلف شيء منها حدثت الثورة لا محالة، وقلنا حينئذ إن التاريخ يعيد نفسه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٧٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٧٨