تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وشيء آخر هو أن العالم الإسلامي وقد أدرك أن الغرب لا يؤمن إلا بالقوة - إذ دلته التجربة تلو التجربة على أن كل أمة من أمم العالم الإسلامي تكتفي بالحجج العقلية لا يسمع لقولها، ولا يلتفت لمطلبها؛ حتى إذا لجأت إلى القوة دعيت للتفاهم، كما كان الشأن في أندونسيا والباكستان وفلسطين والعراق ومصر - يجب عليه أن يزداد من الحجج التي توصله إلى غرضه، دون الحجج التي تذهب مع الريح، وتطير في الهواء، وللقوة مظاهر متعددة وأساليب مختلفة، فنشر العدل في البلاد قوة كقوة السلاح، والاتحاد بين الزعماء وطبقات الشعوب قوة كقوة الدبابات، والإلحاح في طلب الحقوق كاملة غير منقوصة دون المساومة قوة كقوة الطائرات والغواصات، وهكذا كل ضرب من ضروب نشر الحكم الصالح في البلاد، واتحاد الزعماء، ومراعاة المصلحة العامة لا الخاصة، قوة معنوية لا تقل شأنا عن جميع ضروب القوة المادية.

وشيء ثالث؛ وهو أن كل قطر من أقطار الشرق قليل بمفرده، كثير بإخوانه، وأن التعاون بين جميع الأقطار الشرقية يعود بالنفع العظيم على كل قطر، والعالم الإسلامي سائر في هذا الطريق، لقد أدرك بصحة نظره، وصدق شعوره، أن الأمم المستعمرة تتعاون، فيوم تبدو حركة وطنية في المغرب تتحد فرنسا وأسبانيا وترسمان الخطط المشتركة للقضاء عليها، ويوم تريد هولاندة أن تبسط سلطانها على أندونسيا تجد من الدول المستعمرة ما يؤيدها، ويوم تريد إيطاليا أن تبسط سلطانها ثانية على طرابلس ترى من الدول المستعمرة تأييدا لها، وهكذا؛ علما منهم بأن الاستعمار نظرية واحدة وفكرة واحدة وملة واحدة، إذا انهارت في جانب سرت عدوى الانهيار في الجوانب الأخرى، فإذا كان الاستعمار الظالم الباطل المخالف للطبيعة الإنسانية والقوانين البشرية يتعاون، فكيف لا يتعاون أصحاب فكرة الاستقلال، وهو العدل، وهو الحق، وهو الأليق بالإنسانية؟!

قد بدا هذا التعاون على شكل ما في فكرة الجامعة العربية، ولكن لا يزال في مبدأ أمره، وفي مستهل حياته، والتعاون الذي نرجوه تعاون أوسع من ذلك وأشمل وأعمق، تعاون يجعل الأقطار العربية والإسلامية كلها تخاصم فرنسا إذا ظلمت فرنسا المغرب، وتخاصم أمريكا إذا ظلمت أمريكا فلسطين، وتخاصم هولندة إذا ظلمت هولندة أندونسيا، تعاون يشمل الاقتصاد؛ فلا بترول يقدم لأمريكا من أي قطر عربي حتى تعدل عن ظلمها لفلسطين، ولا معاهدة تجارية مع فرنسا حتى تعدل عن ظلمها للمغرب ... إلخ، وتعاون سياسي؛ فلا معاهدة مع دولة عربية إلا إذا علمت بها جميع الأمم العربية وأقرتها جامعة الدول في ضوء المصالح المشتركة ... إلخ.

وهذا مطلب قد يبدو عسيرا، وقد يصيب الأمة من الأضرار ما يصعب احتماله، ولكن ما دامت هذه اللغة هي اللغة الوحيدة التي يفهمها المعتدي، فلا بد من استخدامها واحتمال أضرارها، ثم إذا هي نفذت لا تحتاج إلى زمن طويل؛ لقرب نتائجها، وسرعة الفائدة منها، وإذا كانت الأمم الغربية ترسم الخطط المحكمة المشتركة للاستعمار، فأحرى أن ترسم الدول المظلومة الخطط المحكمة المشتركة للاستقلال، وعجيب أن يصر الظالم على ظلمه ولا يمعن المظلوم في الدفاع عن حقه.

| أدب الحرب (1)

عاش العرب طوال حياتهم عيشة حربية سواء في جاهليتهم أو إسلامهم، فحياتهم في الجاهلية كانت حياة حروب مستمرة بين القبائل المختلفة، إما للإغارة وإما لدفع الإغارة، بل كانت الحروب وسيلة من وسائل العيش، وفي الإسلام اضطر المسلمون للحرب من أجل وقوف أعدائهم أمامهم في نشر الدعوة أولا، وللفتح ثانيا، حتى إذا مد في سلطانهم ما شاء الله أن يمد، وقفوا أمام خصومهم الذين يريدون نزع ملكهم من روم وتتر وصليبيين، ولم يدعوا القتال إلا في فترات قليلة في العصور الأخيرة.

وللأمم الحربية أخلاق تخالف أخلاق الأمم المسالمة، ولكل أدب يخالف أدب الأخرى؛ لأن الأدب ظل الحياة وسجلها، وإذ كان العرب أمة حربية غني أدبهم في هذا الباب غنى كبيرا، وسلكوا في القول في الحرب كل مسلك؛ ونحن نعرض صورا من أدبهم في هذا الباب:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٦٦