وبهذه المناسبة أراه معرضا للآلات الحربية من القرون الوسطى إلى اليوم ... من السيف والخنجر والدرع وما إليها، إلى المدافع القنابل وما إليها، إلى الطيارات والغواصات والدبابات والصاروخات وما إليها، إلى القنابل الذرية وما إليها، فقال عيسى - عليه السلام - عند خروجه من المعرض: «مرحى مرحى» ولم يتبين الدليل جيدا، أقالها معجبا أم قالها متهكما؟ لأن نغمتها كانت بين بين، ثم قال الدليل: «إننا يا مولاي بفضل هذه المدنية سدنا العالم وحكمنا الشرق والغرب ... فكل الأمم أتباعنا وكل الأديان خاضعة لنا» وأخيرا طار به إلى «بيت المقدس» فأحب أن يزور أماكنه الأولى أيام كان على الأرض حتى يأتي موعد الاجتماع. •••
وأما محمد عليه السلام فأطلعه دليله على العالم الإسلامي، من تركيا وفارس والهند والعراق والشام ومصر والحجاز إلخ ... وأراه خريطة تدل على اتساع رقعة الممالك الإسلامية في أزهى عصورها، كما أطلعه على المدنية الإسلامية في أوج عزتها من أبنية فخمة، وآثار ضخمة، وفنون رائعة، وعلوم واسعة، وأراه المكتبات وأراه ما أنتجته عقول المسلمين من آراء وأفكار، وكيف سادوا العالم في أيام عزهم، وكيف تقدموا الغرب إذ ذاك فكانوا أساتذته في العلوم والفنون والصناعات حتى كانت حضارتهم أساسا لما بني عليها من حضارات غيرهم.
وكان ماهرا؛ إذ اختار شخصا يعد - بحق - نموذجا للمسلم في العصر الحاضر، وأخذ يحلله لمحمد - عليه السلام - ويشرح له أخلاقه وعقائده ونفسيته شرحا واسعا مستفيضا؛ حتى كأنه في شرحه له، وتحليله لعقائده، قد شرح له حال المسلمين جميعا .
ثم طار به إلى فلسطين؛ حيث أراه النزاع الدائر بين العرب والصهيونيين، وموقف أوربا وأمريكا إزاء هؤلاء وهؤلاء، وأخيرا وصلا إلى بيت المقدس. •••
قال الراوي: «إن الثلاثة - عليهم السلام - اجتمعوا عند الصخرة في بيت المقدس يتداولون بينهم فيما شاهدوا، وما يجب أن يعملوا».
محمد : «لقد رأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى ماضيهم أكثر مما ينظرون إلى حاضرهم».
عيسى : «ورأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى حاضرهم أكثر مما ينظرون إلى ماضيهم؛ حيث منبع ديانتهم».
موسى : «ورأيت عيب أمتي: إنهم ينظرون إلى جيوبهم أكثر مما ينظرون إلى قلوبهم».
محمد : «ورأيت عيب قومي: إنهم بالغوا في الروحانيات حتى مزجوها بالأوهام والخرافات».
عيسى : «أما عيب قومي: فإنهم أفرطوا في الماديات وأهملوا الروحانيات».
موسى : «وعيب قومي أنهم أخضعوا الروحانيات للماديات، وأخضعوا الماديات للشيكات».
محمد : «وعيب قومي أنهم نسوا
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ...».
عيسى : «وعيب قومي أنهم بالغوا في الإعداد للقوة؛ حتى صارت موضع الضعف في الحضارة النصرانية».
موسى : «وعيب قومي أنهم فسروا القوة التي يعدونها بكل الوسائل؛ حتى ما كان منها خسيسا وضيعا».
محمد : «وعيب قومي أنهم عددوا الآلهة من جاه وسلطان وحكام، ونسوا أساس الدين وهو لا إله إلا الله».
عيسى وموسى : «ذلك شأن أممنا جميعا».
عيسى : «وهل نعود إلى الأرض نجاهد من جديد؛ لنملأها عدلا كما ملئت جورا؟»
محمد : «قد كان ذلك والناس في غفلة من أمرهم، والحق يعمى عليهم، أما وقد بينا الحق، وتكفل الله أن يحفظه إلى اليوم وبعد اليوم، ونضج عقل الناس، ولكن أعمتهم شهواتهم، فلا سبيل إلا أن يتركوا وشأنهم، يتعلمون السعادة من الشقاء، ويعرفون فضل الجنة بعذاب النار، إن للناس قلوبا ولكن لا يفقهون بها، وعيونا ولكن لا يبصرون بها، وآذانا ولكن يسمعون بها، فليجنوا ثمرة عماهم وصممهم وجحود قلوبهم؛ حتى يستفيقوا من غفلتهم، وماذا نعمل أكثر مما عملنا، وكتب الله بينهم، وعقولهم في رءوسهم، وأفئدتهم بين جنوبهم؟
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا .
وأمن موسى وعيسى على هذا الرأي، وقالوا جميعا: «إلى السماء».