تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

سمع المير عبد الرحمن بحكاية العنز فهزئ بها وسخر من عقول الناس، وضحك من سخافتهم، وعدها من المنكرات التي يبطلها كالخمارات.

فأرسل إلى الشيخ عبد اللطيف يرجوه الحضور إليه بعنزه ليتبرك بها هو وأهل بيته، فطار الشيخ فرحا، وقال ليس بعد إيمان الأمير كفر، ولا بعد عطائه عطاء، وقد ضمنت بذلك الدنيا والجاه والثراء.

وحدد موعدا لانتقال العنز، وأعدت العدد، وأحضرت الطبول والبيارق، وزينت الطرف، واصطف آلاف الناس على جانبي الطريق، وتحرك موكب العنز من مسجد السيدة نفيسة إلى عابدين، حيث يسكن الأمير عبد الرحمن كتخدا، وركب الشيخ بغلته والعنز في حجره، والطبول تدق، والرايات تخفق، والناس تتصايح، والدنيا قائمة قاعدة، والعنز ضاحكة مستبشرة، تقول في سرها: أين يوم العنز من يوم الفيل! وبعد التي واللتيا، والذي واللذيا، وصل الموكب الشريف إلى بيت الأمير الكبير، ونزل الشيخ عن بغلته، وحمل عنزه، ودخل بها على الأمير وحوله الأمراء، فتقبلها الأمير والأمراء قبولا حسنا، وتمسحوا بها يستنزلون البركة منها، ثم أرسلها الأمير إلى الحريم وجلس مع الشيخ يتحدث في البركات والكرامات حتى حضر وقت الغداء، فحضر الطعام، وأكل الأمراء وأكل الشيخ ، ومن حين إلى حين يقدم الأمير للشيخ قطعة من اللحم ويسأله عن رأيه، فيقول إنه لحم طيب لذيذ، ثم شربوا القهوة، واستأذن الشيخ في الانصراف، وطلب أن يحضروا له عنزه.

قال الأمير: العنز! لقد أكلتها يا شيخ، واستطعمت لحمها، وفرغنا منها ومن بركاتها وكراماتها.

أيها الشيخ، ما أضلك وأفجرك، وأقدرك على اللعب بعقول الناس، والله لأجعلنك نكالا لمن بعدك، انتظر قليلا.

ورعب الشيخ، وشعر بضياع مجده، وذهاب كنزه، ذلك إن سلمت له نفسه.

وقضى وقتا وهو يرتجف، ثم نزل من القصر جلد العنز المذبوحة، وأقسم الأمير ليعممن به الشيخ فوق عمته، ويعود على هذه الحال في الموكب الذي حضر به.

وكنت ترى في العصر الطبول تدق والرايات تخفق، والموكب يسير من عابدين إلى السيدة نفيسة، والشيخ على بغلته معمما بجلد عنز. وكل شيء كما كان في حفلة الصباح إلا العنز. والناس تقابل هذا الموكب بالرضا والتسليم، كما استقبلته صباحا بالهتاف والتهليل.

| مثل رائع

كان مسلمة بن الخليفة عبد الملك بن مروان سيد بني أمية، نبلا وكرما وشجاعة وعلو نفس وأصالة رأي، لما اشتدت العلة بعبد الملك دعا بنيه وقال: «أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية، وجنة واقية, وقروا كبيركم، وارحموا صغيركم، وابذلوا للناس معروفكم، وجنبوهم أذاكم، وأكرموا مسلمة بن عبد الملك، فإنه سنكم الذي به تتزينون، ونابكم الذي عنه تفترون، وسيفكم الذي به تصولون، فاقبلوا قوله، واصدروا عن رأيه، وأسندوا جسيم أمركم إليه، وأكرموا الحجاج بن يوسف، فإنه وطأ لكم المنابر، ودوخ لكم البلاد».

وتسألني: ومسلمة على هذه الحال، لماذا لم يعهد عبد الملك إليه بالخلافة كما عهد لبنيه؟

فأقول: كانت تقاليد بني أمية الإمعان في العصبية للعرب، واستهجان من عداهم، والاعتزاز بالدم العربي إلى أقصى حدود الاعتزاز، والاستخفاف بغيرهم مهما بلغوا من المجد؛ ولهم في ذلك أخبار غريبة، ونوادر عجيبة؛ ولم تكن أم مسلمة عربية، بل كانت رومية.

والعرب في عهد بني أمية يرون ألا يصلح للخلافة إلا العربي القح، فهذا ما نحى مسلمة عن الخلافة رغم كل مميزاته .

ومع أن عبد الملك نفسه لم يؤمن بهذه النظرية، ويرى أن قد يكون في أبناء الإماء نجابة وفضل ونبل، وخاصة إذا كرم أصلهن، وعلا حسبهن فإنه لم يستطع الخروج على هذه التقاليد:

أقيمت يوما حفلة سباق وفروسية حضرها عبد الملك، فكان السابق فيها مسلمة. فنظر عبد الملك إلى مصقلة ابن رقبة العبدي وقال: إن صاحبكم لقليل المعرفة بأولاد أمهات الأولاد حين يقول:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٩٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٩٠٧